ما حدث في اﻷقصر قد لا يبقى في اﻷقصر
 
 

يوم 4 ديسمبر الجاري، انتهت صلاة الجمعة في مساجد مدينة اﻷقصر بشكل عادي، ولم يعقبها مظاهرات تجوب الشوارع تطالب بالقصاص لطلعت شبيب الرشيدي -أحد مواطني المدينة، والذي تم تعذيبه حتى الموت قبل أيام من هذا التاريخ داخل قسم الشرطة هناك- ولا هتافات تنادي بتطهير وزارة الداخلية وإعادة هيكلتها، على الرغم من أن هذا المشهد هو ما ملأ شوارع المدينة بعد انتهاء صلاة الجمعة التي سبقتها. وبين الجمعتين جرى الكثير من الماء في نهر الأقصر.

كانت دورية أمنية من وحدة المباحث التابعة لقسم شرطة اﻷقصر تمر عبر أحد شوارع قرية/حي العوامية في مساء الثلاثاء 24 نوفمبر٬ على بعد أمتار من شارع خالد بن الوليد الذي يفصل بين القرية وقسم الشرطة ومديرية اﻷمن.

تمثل دوريات المباحث نشاطًا معتادًا بالنسبة لعمل الشرطة في المناطق واﻷحياء اﻷكثر شعبية وهامشية: تقتحم بعض المقاهي وأماكن التجمع اﻷخرى وتستوقف بعض اﻷشخاص. أحدهم كان طلعت الرشيدي، رجل في اﻷربعينات من عمره، متزوج وله أربعة أبناء، ويعمل بائعًا لورق البردي أمام معبد “الكرنك”.

يجمع الشهود على رواية متطابقة لما جرى في ذلك اليوم: أحد ضباط الحملة يأمر الرشيدي بالصعود إلى عربة الشرطة، وهو ما رفضه الأخير. تطور اﻷمر إلى مشادة بينهما، على إثرها صمم الضابط على إلقاء القبض عليه. وطبقًا لشهادة متواترة؛ فإن الضابط طلب من أحد أمناء الشرطة المرافقين له شريط من “البرشام” -وهو اسم يطلق على مجموعة من الحبوب المخدرة الشائعة في مصر- ليعلن أن هذا هو ما سيقوم بتحريزه للرشيدي، عقابًا له. في النهاية، امتثل الرشيدي وصعد إلى عربة الشرطة، خصوصًا بعد نصيحة أحد كبار عائلته الذي أكد له أنهم سيتبعونه على الفور.

لا نعرف لماذا استُهدف الرشيدي في المقام الأول من ضابط الشرطة، وفي الغالب لن نعرف٬ ولكن طبقًا لرواية الشهود٬ فإن تجرؤ الرشيدي على الاعتراض على القبض عليه قد تسبب في الاعتداء عليه.  

يحكي حمادة الرشيدي، ابن عم طلعت، أن رئيس المباحث اتصل بأحد كبار العائلة بعد ساعة واحدة ليسأله ما إذا كان طلعت يعاني أي مشاكل صحية، وحين سأله الرجل عن السبب أخبره رئيس المباحث أن طلعت عانى هبوطًا نُقل على إثره إلى مستشفى اﻷقصر الدولي.

يقول حمادة: “توجهنا على الفور إلى مستشفى اﻷقصر لنكتشف أن طلعت مات، وجثمانه محفوظ في ثلاجة الموتى. حين سألنا الطبيب، قال إنه مات قبل أن يصل إلى المستشفى”. استغرق اﻷمر يومًا كي ينتهي الطبيب الشرعي من تشريح الجثمان. وبعدما أتموا تكفينه وخرجوا به إلى بيته مساء اﻷربعاء، بدأت احتكاكات بين عدد من الشباب الغاضب وقوات اﻷمن التي ملأت الشوارع المحيطة بالقسم والمتاخمة لحدود القرية، وانتهت تلك الاحتكاكت بعنف شديد من قبل الشرطة.

طبقًا لشهادة الكثير من سكان العوامية؛ فإن قوات اﻷمن طاردت الشباب واستخدمت الغاز المسيل للدموع والرصاص الحي وقامت باقتحام عدد من بيوت القرية المشحونة أصلًا منذ مقتل الرشيدي. انتهت الليلة الساخنة بالقبض على 24 من شباب القرية، وحررت الشرطة محاضر شغب لهم، إلا أن النيابة في صباح اليوم التالي، الخميس، قررت إخلاء سبيلهم.

بعد صلاة الجمعة في اليوم الذي تلاها، خرج المئات من السكان في مسيرات غاضبة شارك فيها عدد كبير من شباب منطقة العوامية، وبدأت في المطالبة بالقصاص لمقتل الرشيدي. وشهدت بداية تلك المسيرات مشاركة أحمد إدريس عضو مجلس النواب المنتخب عن اﻷقصر تحت ضغط الأهالي، إلا أنه انسحب منها بعدما تطورت الهتافات لتبدأ في التنديد بوزارة الداخلية نفسها.

في مداخلة هاتفية مع برنامج “مانشيت” بعد يومين، قدمت شقيقة القتيل سياقًا سياسيًا أوسع للأزمة، وتحول خطابها من سياق الأزمة الخاصة والمحلية الطابع ليرتبط بسياق أوسع يتعلق بسياسة الشرطة المصرية عمومًا، ومسؤولية رئاسة الجمهورية بعد استفحال ظاهرة التعذيب في اﻷقسام. أوضحت شقيقة القتيل أنها تابعت حادثة التعذيب التي تعرض لها مواطن آخر في اﻹسماعيلية في اﻷسبوع نفسه، وطالبت الرئيس بأن ينظر “بعين العدالة” ﻷن وزارة الداخلية “تتسبب في إفساد الدنيا”.

وحين سُئلت عن اﻹجراء الذي يرضيها، أشارت الشقيقة إلى أنها تقبل بحكم المحكمة “طالما كان عادلًا وليس على سبيل المسكنات”، وأضافت أنها لا تريد حق الرشيدي فقط، لكنها تطلب أيضًا حق كل “إخوته” الذين قضوا بسبب تعذيب الشرطة.

وﻷيام تالية، امتلأ الفضاء العام في مدينة اﻷقصر بخطاب سياسي يصف حادثة تعذيب أفضت إلى موت في قسم شرطة المدينة ويربطها بخيط سياسي عام يخص الدولة ككل، خصوصًا مع تصاعد الاستنكار الشعبي واﻹعلامي ضد تجاوزات جهاز الشرطة في اﻷسابيع الماضية. وفي ضوء توسع الدعوات للتظاهر٬ حاولت بعض المجموعات السياسية المشاركة في هذا الحراك العفوي المحافظة على هذا الارتباط.

أخبر أحد النشطاء المشاركين في الاحتجاجات “مدى مصر” أن الحراك الذي شهدوه في مظاهرات الجمعة تسبب في تفاؤل كبير، خاصة مع تصاعد الدعوات المختلفة للتظاهر في الذكرى الخامسة للثورة، في 25 يناير المقبل، عبر شبكات التواصل على اﻹنترنت.

يرى محمد النوبي، المحامي الحقوقي والمدير السابق لمكتب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في اﻷقصر، أن الدولة تعاملت مع القضية بالطريقة نفسها التي اعتادت عليها في التعامل مع مثل هذه القضايا. يضيف النوبي أن تباطؤ أجهزة الدولة في اتخاذ رد فعل مناسب أسهم في تعاطف الكثيرين مع القضية، خاصة أن مقتل الرشيدي بعد ساعة واحدة من القبض عليه جعل من تنصل الشرطة من تهمة التعذيب أمرًا صعبًا.

ولكن محمود الهواري، أحد المحامين الحقوقيين الذين حضروا التحقيقات مع أهل الرشيدي٬ يقول إن التركيبة العائلية سمحت لوزارة الداخلية بمحاولة احتواء اﻷزمة عبر التواصل مع كبار العائلات وإقناعهم بضرورة عدم التصعيد. وقررت مديرية أمن اﻷقصر، تنظيم وقفة لتقديم العزاء في طلعت والاعتذار لأهالي الأقصر، وأصدرت قرارًا بنقل الضباط المتهمين بالتعذيب من اﻷقصر.

لم يكن هذا كافيًا لاحتواء غضب عدد كبير من الشباب هناك، لكن استجابة الشرطة اﻷولية عبر مبادرة الاعتذار أوضحت أن حالة من التخوف تسيطر عليها مما قد يحدث هناك من تبعات.

وبالرغم من اضطرار كبير عائلة الرشيدي إلى إعلان تبرُّئه من دعوات التظاهر في يوم الجمعة 4 ديسمبر؛ فإن حالة الغضب كانت تسيطر على عدد من شباب الحي، وطالب الكثير منهم في إحدى جلسات النقاش التي عقدت بمنزل القتيل، والتي حضرها “مدى مصر”، بالاستمرار في التظاهر.

وبينما أعطت ردود اﻷفعال اﻷولية من الشرطة والنيابة قوة في خطاب الداعين إلى التظاهر، لكنها تسببت أيضًا في تفريغ القضية من شحنتها السياسية العامة لتقتصر على بُعدها المحلي. ومع استمرار حالة اﻹهمال التي تعيشها المدينة منذ اندلاع الثورة المصرية قبل خمس سنوات، انخفض الاهتمام بالشأن العام لصالح الشأن المحلي.

وعلى الرغم من خيبة اﻷمل التي طالت بعض المهتمين من انحصار القضية في سياقها المحلي؛ فإن هذا التركيز أعطى بعض القوة لاستمرار الزخم حتى تحقيق نتائج ملموسة.

استمرت الدعوات الغاضبة للتظاهر لكن المطالب هذه المرة انحصرت في القصاص للرشيدي، ومحاكمة الضباط المتسببين في مقتله. وفي بيان جرى تداوله بين بعض الشباب هناك يوم اﻷربعاء قبل الماضي، أعلن عدد من المحتجين دعوتهم للتظاهر حتى يتم حبس الضباط المتهمين بالتعذيب دون ذكر أي مطالب أخرى متعلقة بجهاز الشرطة أو الدولة ككل.

يعتقد محمود عبد الحكيم، أحد محاميّ عائلة الرشيدي، أن الضغط الشعبي والزخم اﻹعلامي هو ما دفع النيابة للانتهاء من التحقيقات وإصدار قرار بخصوصها قبل الموعد المرتقب للتظاهرات.

كان تقرير الطب الشرعي قد صدر عصر الخميس 3 ديسمبر، مرجحًا وجود شبهة جنائية في مقتل الرشيدي٬ واستمرت النيابة في التحقيق منذ عصر الخميس وحتى فجر الجمعة، قبل أن تصدر قرارها بحبس الضباط اﻷربعة المتهمين 4 أيام على ذمة التحقيق، قبل أن تجدد حبسهم 15 يومًا إضافية يوم الأحد 6 ديسمبر.

قبل انقضاء الخمسة عشر يومًا، وتحديدًا يوم الخميس الماضي، 10 ديسمبر، قرر المحامي العام لنيابات الأقصر إحالة الضباط الأربعة وخمسة أمناء شرطة إلى محكمة الجنايات بتهمة الضرب المفضي إلى الموت.

يبدو الانتصار الذي حققه الحراك الشعبي الذي شغل مدينة اﻷقصر قابلًا للتكرار. إذ استطاع هذا الحراك أن يجبر أجهزة البيروقراطية المصرية على تقديم تنازلات، وعلى اﻹسراع في التحقيقات من أجل إسكات الغضب الشعبي، وهو ما لم يحدث في قضايا أخرى مماثلة. وبالرغم من أن القضية ظلت مرتبطة بسياقها المحلي؛ فإن ما صحبها من حراك فتح الباب أمام التساؤلات عما إذا كان ما حدث في اﻷقصر قد يبقى فيها دون أن يتكرر، أم أنه قابل للتكرار في أماكن أخرى مماثلة؟

اعلان