قراءة مغايرة للخطاب النسوي

(إذا تراجعت الحركة النسوية في انتشارها ومكانتها في المجتمع، سيكون ذلك فعلًا بسبب الرؤية الضيقة والنخبوية لأهدافها وإنجازاتها في الحياة)[1].

إذا اتفقنا معًا في البداية على أن الذكورية وجهة نظر غير مرتبطة بمعتنقها، إن كان جنسه ذكرًا أم أنثى، فدعونا نتفق على أن النسوية هي فكرة وصفة ليست مرتبطة بالجنس أيضًا.

والذكورية في معناها العام هي مجموعة السلوكيات والقوانين والأعراف التي تمنح فئة ما حق السيطرة والتملك والتحكم ضد فئة أخرى، وهذه الفئة المسيطرة والمتحكمة في العادة تكون فئة الذكور في المجتمع، لذا فقد جاءت النسوية كفكرة مضادة لتدافع عن حق الفئة الأخرى، وهي عادة ما تكون النساء، وتمنحهم الحق في أن يكون لهم وجود مؤثر في مجتمعاتهن، لذلك فإن أكثر التشبيهات التي تعجبني للتعبير عن النسوية هي أن للإنسان عينين، فإذا قرر أن يغمض إحداهما ليرى العالم والأشياء بعين واحدة؛ فقد نال حظه الأوفر من الذكورية، وكل ما عليه لكي يدخل في رؤيته العدالة والإنصاف أن يفتح عينيه الاثنتين معًا ليكمل نقصه.

(المساواة ليست مفهومًا، إنها ليست شيئًا ينبغي علينا أن نسعى إليه، إنها ضرورة، المساواة مثل الجاذبية، نحن رجالًا ونساء في حاجة إليها للوقوف على هذه الأرض، والكراهية التي هي في كل الثقافات ليست وضعًا حقيقيًا للحالة الإنسانية، وتخرج الحياة من حالة التوازن، وهذا الخلل ينتزع شيئًا من روح كل رجل وامرأة واجهته، نحن كلنا بحاجة إلى المساواة.. الآن)[2].

فالعين الواحدة تغيب عنها تفصيلات كثيرة، ولن ترى كل الجوانب، سترى الأمور قاصرة، وتتبنى ردود فعل ظالمة، وتتوجه إلى طريق غير آمن، قد تتعثر فيه غالبًا.

الأنثوية = الذكورية:

لذا فإن الرؤية المكتملة تكون بعيني المرأة والرجل معًا، لا بعين أحدهما فقط، ولن يستقر الميزان بأن تزيد من كفة أحدهما وتنتقص من كفة الآخر، ولهذا فإن الرؤية بعين واحدة مضادة تكون رؤية أنثوية مشابهة للرؤية الذكورية تمامًا ولكن من الجانب الآخر.

هذه الرؤية الأنثوية وإن كان لها مبرر في رؤيتها لأن لها مصلحة في دفع الظلم عنها، لكنها على المستوى البعيد ليست منتجًا لنظام اجتماعي متوازن عادل.

والرؤية الأنثوية التي تتجلى في فكرة أن “المرأة ضحية الرجل”، ضحية وجوده وسيطرته وتحكمه، هي نفس الفكرة التي تعتقد أولًا في أن “الرجل فارس الأحلام”، يمتطي الحصان الأبيض، ويمتلك بساط الريح، ومصباح علاء الدين.

الرؤية الأنثوية هي التي تساعد على ظهور الرؤية الذكورية بقوة وتؤكدها، هي التي تدافع بضعفها وقلة حيلتها، لكي تكسب تعاطفًا وهميًا من المجتمع، ثم لتمنح ضميرها راحة نفسية ومبررًا للانتقام بعد ذلك، والانتقام يأتي أولًا بعدم الاعتراف بوجود الرجل، ثم بأنه لا نفع فيه ولا رجاء، ثم بحتمية القضاء عليه.

(نحن جميعًا نحارب من أجل تعريف مصطلح “النسوية”، وما يعنيه لي هذا المصطلح هو التمكين، هذا لا يعني أنني أتطلع أن أكون أقوى من الرجل، ولكن يعني اكتساب حقوق متساوية في ظل من الحماية والدعم، والعدالة. إنها أشياء أساسية جدًا، وليست مجرد امتياز نتفوق به عن الآخرين)[3].

فالنسوية تعتمد على تشابه الإنسان وتماثله بصرف النظر عن مقوماته التي تعتمد على جنسه، واختلاف وظائف جسده وتمايزها، لا فرق بين رجل أو امرأة فالكل متساوون، والكل يستطيع أن يقوم بنفس الأدوار في المجتمع، فالعقل واحد والنفس واحدة، لن يختلفا إذا كانا في جسد امرأة أم رجل، ولكن الذكورية ترى أن الرجل هو الأقوى وهو الأكثر تهيئًا، والأنثوية ترى أنها الأذكى والأدهى وهي الأعلى جدارة.

وعليه.. فإن هذا يخلق صراعًا لا نهائيًا ليست له نتيجة، فالكل خاسر، ولن ينتج عن هذا إلا خطاب متطرف من الجانبين، ولن يضار إلا من يسكن الدائرة الأضعف.

الخطاب الراديكالي المأزوم:

الإيمان بفكرة النسوية هو أسمى مراتب الإيمان بالحقوق الأساسية؛ لأن النسوية تعني المساواة، تعني أيضًا العدالة، تعني الثورة على القهر والاستعباد والظلم.

وفي ظل هذا الصراع المستمر، يجب أن تنجو فكرة النسوية بنفسها من الاستقطاب الذي يخلقه الخطاب الراديكالي، وأن يتحلى معتنقوها بسيطرة على خطابها، فلا تجنح بكراهية الرجل كرجل، ولا بتمجيد الأنثى كأنثى، بل بواسطة خطاب يستهدف كسب أنصار جدد محتملين من الرجال، ويحافظ على من اعتنقوا الفكرة واتخذوا صفها من البداية.

خطاب يعتمد على الإنسان كأولوية، ويتخذ من المساواة له منهجية، فلا معنى أن تدخل النسوية حربًا كلامية وخطابًا استقطابيًا، لن ينفع إلا أعداء الفكرة، والمتربصين بها.

وإن كان الظاهر في كل الأحوال أن الرجل هو المسيطر والمتحكم والظالم، وأنه يستمد من الموروثات الدينية والأعراف المجتمعية سندًا لتبرير جرائمه في حق الأنثى، إلا أن هذا لا ينفي على الإطلاق أن الأنثى هي من تربيه وتنشئه وتوطن في عقله هذه الأفكار، وتدعمه في أغلب الأحيان ضد شبيهاتها.

(للأسف، الكثير مما يمر بالنسوية في هذه الأيام هو مجرد الشكوى والتذمر مما يفعله الرجال، وعلى وجه الخصوص نقوم بتهنئة أنفسنا على اللا شيء، ونستمر في الاستهزاء بهم لكونهم أصبحوا أطفالًا كبارًا، بينما نبذل كل ما بوسعنا للحفاظ على هذا النحو)[4].

تخطئ بعض الحملات النسوية في التخطيط أو التطبيق خطأً عظيمًا، فحين تحدد استراتيجيتها وأعداءها، تضع الرجل، كل رجل، عدوًا محتملًا، وكل أنثى، أي أنثى، مؤيدًا محتملًا، وهذا الأمر مرجعه أن تفقد النسوية الكثير من المؤيدين من الرجال وتستبعدهم من الانضمام إليها، وتقرب إليها معارضين من الإناث قد تكونن وبالًا عليها، وعليه فإن الخطاب الناتج عن هذا التخطيط الذي جانبه الصواب، يفرز تطبيقًا على الواقع عدوانيًا ضد من يكونون في نفس الصف مع الفكرة، ويؤدي إلى جنوحهم عنها، أو معاداتها.

إذا أعطينا مثالًا وقلنا إن رجلا يعاني القهر الذكوري في المجتمع، واتجه بنظره ناحية النسوية ليجد ملاذًا ومنبرًا، فإذ به يجد خطابًا رافضًا له لا لشيء سوى لأنه ذكر؛ فهو محمل بأخطاء أقرانه من الذكور، حاملًا صليب خطاياه دائمًا، ملزم بأن يتبرأ دائمًا وأبدًا من ذلك، منزوع الثقة فيه وفي تحركاته شك وريبة، أليس بذلك ننتج خطابًا أنثويًا مشابهًا للخطاب الذكوري، يعتمد على الانتقام وليس المساواة.

وإذ كنت أنا كذكر، معرض للقهر من الذكورية، وكذلك سيمارس عليّ نفس القهر من الجانب الآخر، ما الذي يجعلني مؤمنًا بالنسوية في هذه اللحظة، ما الذي يجعلني أدافع عنها، ما الذي يجعلني أطالب بالوقوف جانبها، بل بالعكس ساعتها سأفضل أن أحظى بوجودي في مجتمع ذكوري، يعطيني بعض المميزات، بدلًا من أن أكون في مجتمع آخر لا أنتمي إليه ولن يعطيني شيئًا، بل سيمارس عليّ نفس القهر الذي أعانيه.

أليس من الأجدى أن تحدد الحركة النسوية هدفها بدقة، ولا تخرج عنه، بمعاداة الرجل، فقط ولا شيء إلا لأنه ينتمي إلى فصيلة الرجال، التي ارتكبت جرائم لا حصر لها في حق المرأة.

الهدف هو أن تحظى المرأة بالمساواة كإنسان مثل الرجل كإنسان، طبعًا هناك من الصراعات التي يُجر إليها أعضاء الحركات النسوية بلا ذنب لهم فيها، ومن دون أية مقدمات، لكن يجب أن يكون هناك وعي أشد، وإدراك أعلى بعدم الانقياد إلى هذه الصراعات، والجدل الفارغ الذي لا طائل منه، غير تشويه الحركة النسوية وكل المنتمين لها.

أنا أعتبر نفسي واحدًا من ضمن المؤمنين بالنسوية، والمعتقدين في أولويتها، وأحسب نفسي كذلك دون أن أنتظر شهادة من جهة أو قلادة من أخرى، لذلك يهمني في هذا الشأن أن أفتح حوارًا جادًا بين الحقوقيين- وبخاصة النسويات والنسويين- حول الثغرات التي ينفذ منها أعداء النسوية إليها، كما يهمني أن نتوقف لكي ننظر بشيء من التمهل إلى الأمر، أن ننقده لنحسنه ونوجهه إلى بر أمان، وطريق أسهل، وذلك أيضًا في إطار التمكين والدعم والحماية، واستجلاب العدالة، لا في إطار تكميم الأفواه والقمع والقهر والسخرية.

فالأفكار الحقوقية أفكار غريبة على مجتمعاتنا، وإذا وجد بعض قيمها ومبادئها في بلادنا يكون قد أصابه العطب من الموروثات التي شوهتها، وأنكرت أصولها، واختزلتها في حدود ضيقة، تارة باستخدام الدين وتارة تبعًا للأعراف والتقاليد، لذلك فإن ترديد شعارات جوفاء لا تحمل ثقلًا في المضمون، وتنافي القيمة الأساسية المبتغاة من النسوية كفكرة، يحول الأمر في آخره إلى ساحة مليئة بالببغاوات التي استحسنت صوتها، ولم تعقل ما خرج من بطون عقلها.

 

[1]  الأكاديمية الأمريكية Camille Paglia كاميل باليا http://goo.gl/PntmDj

[2]  الكاتب والمخرج الأمريكي Joss Whedon جوزيف هيل هيدون http://goo.gl/7idQGB

[3]  المغنية والمؤلفة الإنجليزية Annie Lennox أني لينوكس http://goo.gl/XdV6hQ

[4]  الكاتبة الإنجليزية Julie Burchill  جولي بورتشيل http://goo.gl/w1NzFp

اعلان