العنف المقدس

﴿فبِما رحْمةٍ مِّن اللّهِ لِنت لهُمْ ولوْ كُنت فظاًّ غلِيظ القلْبِ لانفضُّوا مِنْ حوْلِك﴾*[1]

لو خيرتني أنا أعيش مسالمًا أو أن أعيش عنيفًا لاخترت الأولى وتركت الثانية، لو خيرتني بأن أكون ظالمًا أو مظلومًا لانتهجت في حياتي وطبقت المثل الشعبي القائل: “يا بخت من بات مظلوم وما بَتش ظالم”، فلا أحد، مهما كانت سيطرته وقوته، يضمن أنه سيظل دائمًا الأقوى والأعنف، ولا أحد يستطيع أن يعيش في مجتمع يقدس العنف ولا يحترم الأخلاق والمبادئ التي تقر السلام الإجتماعي، مهما بلغ عنفوان جماعته وتنظيمه.

يأتي هذا في ظل ظهور تنظيمات أو إعادة إنتاجها لاستخدامها في محاولة تشكيل موجات عنف تحمل شعارات ثورية وأحلام معنوية بالقصاص للشهداء واسترداد الدماء، عن طريق الكفاح المسلح، بداية من البلاك بلوك التي رفعت شعار: “نحن فوضى تمنع الفوضى”، حتى تنظيمات الجهاد المتأسلمة التي تصرح بأن: “الجهاد المسلح سبيل أوحد للتغيير”، ويزيد ذلك حشو المناصرين والمؤيدين لها بفكرة مؤداها، أن لن نحيي ثورتنا ونزيد اشتعالها إلا إذا حملنا أرواحنا على أكتافنا، ورمينا أنفسنا في ميدان العنف، ليصبح الأمر مختصرًا في أن الثورة هي العنف، واستعمال العنف مقدس من أجل الثورة.

وبرغم أن الأخبار السائدة تقول أن مثل هذه التنظيمات العنيفة تكون دائما معادية لقوات الأمن والسطلة، إلا أنه لا شك في أن سكوت أجهزة الأمن طويلًا عن هذه التنظيمات يبعث للريبة في حقيقة وجودها وانتمائها، فقد تُخلق هذه المجموعات بواسطة الأمن لتكون المغناطيس الذي يشد من قرروا اتخاذ العنف واتبعوه سبيلا.

يقول نقيب شرطة أوكلاند، هوارد جوردن[2]: (أنت لا تحتاج إلى بعض المهارات الخاصة لكى تتسلل خلال تلك المجموعات. إثنين من ضباطنا تم إنتخابهم كقادة في غضون ساعة من انضمامهم للمجموعة. فإذا كنت قد وضعت عناصر أمنية في المجموعة منذ البداية، أعتقد أننا سنكون قادرين على جمع المعلومات وربما حتى توجيهم للقيام بشيء ما نريد منهم أن يفعلوه).

والثورة الآن ثوب ممزق إلى ألف قطعة بيد كل فئة مزقة تحسب أنها هي الثورة الحق، وكلٌ يرى أن العنف يجب أن يكون بجانبه لا ضده، ولا أرى هنا موقفا معيبا في من اتخذ صف هذه الفكرة وحرض عليها، ولا يعنيني على الإطلاق أن أصم أحد بالخطأ أو أن أمدح أخر بالصواب.

فالحقيقة أننا لم نصل لحكم الثورة حتى تاريخ اللحظة، ولم تدخل الثورة في شرايين المؤسسات أو في كيانات الدولة على الرغم من مرور أفراد ينتمون لها إلى داخلها طوال ثلاث سنين مضت، لكنهم لم يعرفوا بعضهم كجماعة واحدة ولم يستخدموا أنفسهم داخل تنظيم متحد المنهج والأفكار والطريقة، وعلى نفس المستوى أيضًا، رغم استقرار وجود “الإخوان” فترة ليست بقصيرة على رأس السلطة التنفيذية والتشريعية في ما قبل 30 يونيو 2013، إلا أنهم وجدوا صعوبة بالغة في اختراق أساس معظم كيانات الدولة ومؤسساتها، ولم يتمكنوا من فرصة التوغل فيها وإخضاعها لمنظومتهم ورؤيتهم وخطط أعمالهم، إن كانت لهم خطط حقيقية غير الأخونة طبعا.

يقول مولر[3]: (لقد كان اللاعنف، في نظر غاندي، مبدأ يعبِّر عن حقيقة البشر، في حين يدمِّر العنف حقيقة الإنسان. فحينما يعتقد بشري أنه يمتلك الحقيقة فمن المؤكد أنه سيدافع عنها ضد “الأشرار”. وقد تسوِّل له نفسه استعمال العنف للدفاع عن هذه الحقيقة – وهنا مكمن الخطر. كذلك هناك مَن يقول بأن هناك عنف “جيدًا” وعنف “سيئًا”، وهذا ما يثير البلبلة، فنخاطر بأن نسيء فهم بعضنا بعضًا. على هذا، يجب أن تكون هناك صرامة فكرية في هذا حتى نميز بينهما).

بصفتي أمارس المحاماة من أحد عشر عاما، وعرجت في عملي على قضايا العنف، سواء كنت مدافعا عن المتهم أو عن المجني عليه، فما وصلت في أي قضية وكلت فيها إلى الحصول على نتيجة مرضية محققة لأي من الطرفين، بسبب الاستسهال في استخدام العنف، واستمراره، وكانت الأطراف المتصارعة في لحظة النهاية غالبًا أكثر تقبلًا للسلام والحل السلمي بعد أن يكون قد نزفوا من الدم والمال، من أجل العنف، ما يكفي لإحلال الأمان في العالم أجمع.

 لكن الاختلاف المريض هنا، أنه في الثورة وقضاياها، أنت معرض دائما أن يلصق بجوار اسمك لقب “خائن” و”عميل”، لأنك نكصت عن تأييد فكرة العنف الثوري المقدس، وليس لك أي وجهة نظر تحترم رائجة حينما تقرر أن الدماء التي سالت تكفي لأن تكره حياتك ومستقبلك.

ولو وقفت في إحدى وقفات الثورة أو مظاهراتها وجعلت نفسك مراقبًا لسلوكيات بعض المتظاهرين وأخذت على عاتقك أن تنبه بعضهم إلى أن يكون مسئولًا، فقد تستعدي هذه التصرفات “قوات الأمن” وتجعل لهم مبررا، ورضًا، ومشروعية ـ كاذبة ـ في الهجوم وممارسة العنف ضد المتظاهرين، ستكون معرَضًا للمزايدة التي إن كانت ظاهرها الحق فباطنها النفاق، ولا يخفى عليكم أن الثورات مثلما تمتلىء بالمناضلين والأبطال والأحرار كذلك تعج بالمنافقين والمرائين والكاذبين، ومن يركبون الموجة ركوب الشياطين.

لا أعرف دينَا أو عقيدة أو فكرة تدعو إلى العنف إلا واعترضت الإنسانية عليها واختلفت على فكرتها، ولم أعرف تاريخَا أثنى على جبار أو متكبر أو سفاح مهما بلغت إنجازاته وقلاعه وحصونه، إلا وذكر له نهاية محتومة جزاءً وفاقا.

تسألونني هنا: ألسنا فريسة بسلامنا؟! واستسلامنا؟! أقول لكم: ليس السلام معناه الاستسلام.. وليس العنف جهادًا ولا ثبوتًا على الحق ولا استشهادا.

تسألونني عن الثأر الذي بين أهل الثورات وبين الحكام الفاسدين المستبدين؟ ومشاهد القتل والتعذيب والسحل والإرهاب الممنهج للداخلية والنظام؟! أقول لكم: ليس الثأر مهنة ولا حرفة ولا عمل يومي، وهو بذلك فعل جاهلية تخلصت منها الأمم، وليس هناك معنى بأن نرجع للوراء إلا لو اتفقنا جميعا على الرجوع إلى زمن الغابة.

 تسألونني عن الحل؟! أقول لكم: الحل يبدأ بمعرفة شخص القاتل تحديدًا يقينا، والعمل على محاسبته محاسبة منصفة عادلة تضمن له حق الدفاع، والعنف الذي يُشَرَّع في هذه الحالة هو عنف الردع وليس عنف الاستعداء.

تسألوني: وكيف نتفق على الحل ونحن عصبة تفرق شبابها بين القبائل؟ أقول لكم: التنظيم هو الحل.. ومشاركة الرأي والاتفاق هى الحل. أن تسير لوحدك ليس حلًا، وأن تخلق لك عصبة تساعدك على عنفك ليس حلًا. وأن تشجع على العنف ولا تستطيع السيطرة عليه ليس حلًا. بل فخ ستكون أول الهالكين فيه.

إن استدعيت العنف واحتضنته فلن تهنأ بحياتك وستظل طريدًا ومطاردًا من الطبيعة والكون والبشر.. وسيفشي سرك من طاوعوك ومن ناصروك حتى وإن ظننت أنكم على قلب رجل واحد.

إن ظننت نفسك أيقونة ورمزًا بعنفك، فأنت في كل الأحوال خاسر، ولك في ميليشيات الإرهابيين عبرة، سيرفضك مجتمعك وسيلفظك.. وسيقدمك قربانًا للسلطة على طبق من تبن لنيرانها، ولن يبقى أمامك إلا كابوس مفزع ليدك الملوثة بالدماء.

 

[1]القرآن الكريم: (سورة آل عمران – الآية 159)

[2]ويكيبيديا: بلاك بلوك http://goo.gl/iaLVDl

[3]جان ماري مولِّر، قاموس اللاعنف، بترجمة محمد علي عبد الجليل ومراجعة ديمتري أڤييرينوس، معابر للنشر، دمشق/الهيئة اللبنانية للحقوق المدنية، بيروت، 2007.

اعلان