ذكرى ثورة يناير.. بين الاحتفاء والسرد وإعادة التقييم
 
 

في أجواء تليق بكونها ذكرى ثورة حملت أحلام جيلٍ حملها، وتاها معًا في بلد اعتادت الأحلام أن تتوه فيه، مرت أمس الذكرى الرابعة لـ 25 يناير. وإن رأى البعض أن غلق ميدان التحرير وانتشار عناصر الشرطة في شوارع وميادين القاهرة والمحافظات كان المشهد الأوضح في اليوم، إلا أن الاشتباكات المتفرقة واهتمام الناس، على اختلاف طوائفهم، بمتابعة الوضع الميداني طغيا على أي محاولة رسمية لمرور اليوم في هدوء يشي بأن أربعة أعوام كانت كافية لتصبح الثورة مجرد ذكرى.

دماء الشهداء التي سالت أمس، موصولة مع دماء من سبقوهم منذ أربع سنوات، ومن سبقوهم، كانت الاحتفاء الأقوى والأكثر تأثيرًا والأوضح من أي احتفاء قد يخطط له البعض، وبشكل أكثر صراحة، كانت هي المانع الوحيد لنشر هذا الموضوع، فلا صوت يعلو فوق صوت الدماء، التي لا يوجد ما هو أصدق منها، والتي لم يكن يليق أن نتحدث عن احتفاء بذكرى الثورة في الوقت الذي تتحنى فيه الشوارع بالمزيد منها.

وبعد انتهاء اليوم الطويل، وبعد ارتقاء شهداء جُدد، وبعد تجدد أحزان قديمة لم تنته يومًا، كان من الواضح أن الثورة، وذكراها، لم تكن أبدًا يومًا واحدًا، ولن تكون أيضًا ثمانية عشر يومًا فقط، وإن كانت أحداث أمس قد أجابت على جزء من الأسئلة التي طرحناها، إلا أنها كانت أيضًا سببًا منطقيًا للاستمرار في طرح السؤال: كيف نحتفي بذكرى ثورة يناير؟

هل أصبحت 25 يناير مجرد ذكرى؟

“هل وصلت 25 يناير إلى المصير الذي وصلت له ثورات مثل يوليو 52؟، وهل أصبحت ذكرى تمر دون أن تؤثر في حياة الناس؟”.. ربما كانت أحداث الأمس أبلغ في الإجابة على هذا السؤال، وفي الوقت نفسه كانت تأكيدًا على ما قاله خالد فهمي، أستاذ ورئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، الذي نفى أن تؤول ثورة يناير لما آلت إليه “يوليو 52″، مؤكدًا أن “ثورة يناير هى ثورة حقيقية، بينما 23 يوليو، كانت انقلابًا قام به الجيش، والدولة ومؤسساتها هى التي كانت تحتفل به كل عام”.

يعود فهمي للتاريخ، وتحديدًا عامي 53 و54، ليرصد شيئًا لافتًا في تاريخ ميدان التحرير، هو أن “انقلاب يوليو حاول أن يعرض نفسه كثورة شعبية، وحبن بدأ الناس يصدقون هذا ونزلوا للاحتفال خرجت الأعداد عن السيطرة، وخاف الجيش من الجموع ومن الاحتفال الشعبي، فتم إلغاء الاحتفال، وانتقل إلى ميدان الجمهورية (عابدين حاليًا)، وكأن الدولة صادرت حق الاحتفال، واكتفت أن تحتفل بنفسها وتترك للناس المتابعة فقط”.

يخرج فهمي من هذا التاريخ مباشرة إلى 25 يناير 2011، ويؤكد على قناعته أنها ثورة حقيقة، وأن الأعداد التي شاركت بها تؤكد أنها كانت ثورة شعبية، فالدولة لم تطالب أحد بالنزول للشوارع، على عكس 30 يونيو مثلًا، وهو ما تكرر في الذكرى الأولى ليناير، في عام 2012، التي يتذكر فهمي صعوبة اجتيازه لميدان التحرير يومها بسبب كثافة الأعداد في الميدان، والذين نزلوا للاحتفال من تلقاء أنفسهم، لا بدعوة من أحد، ولا بإيعاز من أحد.

وفي الوقت الذي أصدر الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي قرارًا بتأجيل “الاحتفال” بذكرى ثورة يناير حدادًا على وفاة ملك السعودية، يرى فهمي أن الدولة ستستمر في ما تجيد فعله: “المشير والمدير والوزير والغفير هيجتمعوا ويهنوّا بعض وياخدوا صور تذكارية مع بعض، وهيطلع شوية ممثلين ورقاصين وبلياتشوهات يرقصولهم على المسرح، إنما الشعب له طرق تانية في الاحتفال”.. ويخلص فهمي من ذلك إلى أن الشعب في وادٍ والدولة في وادٍ آخر، مضيفًا أنه لا يشعر بالقلق الذي يعتري البعض من أن ذكرى يناير تضيع، وأن الدولة والشرطة يحتكرانها، لأنه يعرف إلى أي مدى أثرت الثورة في الناس، ومؤكدًا أننا لا زلنا في بداية استرجاع الذكريات.

بدوره يؤكد خالد عبد الحميد، الناشط السياسي والعضو المؤسس بجبهة طريق الثورة، على أن أحدًا لا يستطيع أن يقول أن 28 يناير، أو 25 يناير كما يراها البعض، هي تاريخ انتهى أو أن موازين القوى الخاصة به قد حُسمت.

يرى عبد الحميد أن كل الأنظمة التي أتت بعد الثورة (المجلس العسكري أو حكم الإخوان أو حكم 3 يوليو) كان في ذهنها أنها ستحتوي هذه الثورة وهذا التغيير، وحاولت الطبقة الحاكمة في كل مرة أن تحتوي الثورة، دون أن تدرك أن هناك تغيير يتبلور شكله، وتجلياته أكبر من الاستيعاب.

يزعم عبد الحميد أن الطبقة الحاكمة لا تريد أن تدرك أن الوضع لن يعود لما قبل يناير 2011، وإن كان يعترف أننا حاليًا في وضع أسوأ، لكنه يعود للتأكيد أن هذا الوضع لن يستمر.

من جانبه يؤكد الناشط والمدوِّن أحمد غربية أن ثورة 25 يناير موجودة بوجود الجيل الذي قام بها وحضرها، والذي لا يزال جيلًا شابًا في بداية حياته، بل أن قسمًا كبيرًا منه تشكل وعيه عليها، لذلك فهى لا زالت نابضة جدًا، رغم كل ما تتعرض له من حرب ومحاولات نفي ووأد.

كيف نحتفي بذكرى ثورة يناير؟

ترى الروائية أهداف سويف أن كل مؤمن بالثورة، وبما حدث في 2011، وبضرورة استمراره، يستطيع أن يقوم بالكثير، بداية من سرد كل ما يعرفه أو يتذكره بدءًا من يناير 2011، وأن يسجل أي تفصيلة، مهما بدت صغيرة، عن أيٍ ممن استشهدوا أو أصيبوا أو اعتقلوا.

وإن كانت سويف تعترف أن الكتابة تختلف عن النشر، الذي قد تتحكم فيه اعتبارات مختلفة تمنع شخصًا ما من الإقدام عليه، لكنها تؤمن بأهمية الكتابة ووجود السرد في حد ذاته.

كما تؤمن بأهمية التواصل مع أهالي الشهداء، أو مصابي الثورة، خاصة الذين لا زالت إصاباتهم مؤثرة في حياتهم حتى الآن.

وتعود سويف للتأكيد على أهمية أن نراجع أنفسنا، وأن نفكر في المستقبل، ونرى الأمور المختلفة التي كان علينا أن نقوم بها، وأن نبدأ في محاولة القيام بها بالقدر الذي يستطيعه كل منا.

ويتفق فهمي مع سويف في أن استرجاع الذكريات أمرٌ مهم، ويعتقد أن السنوات المقبلة ستشهد طفرة في الكتابات والأعمال الفنية التي تسترجع “يناير” بأشكال مختلفة، والتي قد يحتوي بعضها على هجاء لـ”يناير”، وهو ما يراه بمثابة علامة صحية، كونه يؤمن أن انتظارنا لسردية واحدة عن الثورة سيكون ظلمًا لها، لأن الناس مختلفون، والأفراد هم من سيقومون بتسجيل انطباعاتهم وذكرياتهم المتضاربة، ورصد تأثير الحدث الضخم عليهم كأفراد.

وهو ما يوافق عليه عبد الحميد، الذي يرى أن جزءًا من الاحتفاء بالثورة هو التماسك ومحاولة توصيل أننا موجودون حتى إن لم نكن في الشارع، حتى لو كان التواجد بالكتابة والحكي عن تاريخ الثورة.

من وجهة نظره، يرى غربية أن الحكي والسرد وتدوين ذكريات الثورة أمرٌ مهم، وهناك من يقومون به بالفعل، والأجمل أن تكون هناك جهود منظمة لحفظ التجربة بشكل أرشيفي وموسوعي، لكنه يعتقد أنه ليس الأمر الوحيد الذي يمكن القيام به حاليًا، خاصة إن كان الحديث عن توثيق الثورة يدور في إطار نوستاليجي باعتبارها كانت ماضٍ جميل، لأنها في الحقيقة لم تنتهِ، وتداعياتها لا تزال موجودة ونحن نعيشها حاليًا، وأوضح دليل على ذلك هو كون الدولة مستنفرة بأكملها ومتواجدة بالأسلحة في الشوارع تضرب من يفكرون في مجرد التواجد في الفضاء العام.

لبنى درويش، عضو مجموعة “مُصريّن”، تعترف أن كل من تعرفهم ممن لهم علاقة بالثورة، على اختلاف مواقفهم، يشعرون حاليًا بالوحدة، إذ يرون مشروعًا استثمروا فيه نفسيًا وجسديًا يتم تدميره حاليًا، ولهذا ترى الحل من وجهة نظرها في أن ننظر للمشوار الثوري بشكل نقدي حقيقي، أكبر من مجرد تصنيف الناس لسيئين وأخيار.

تعتقد درويش أن الذكرى ليست “سنوية موت شخص”، لكنها فرصة للتذكير أن هناك مشروع ينبغي أن نكمله، وهو ما لن يحدث إلا بنقاشات مفتوحة لنقد ما قمنا وما لم نقم به، ومحاولة تحديد المتاح حاليًا، وما هى الأدوات والتكتيكات الصالحة لاستخدامها أو إعادة استخدامها، وهو ما لن يحدث إلا بتذكر الأهداف الرئيسية للثورة.

وإن كان عبد الحميد لا ينكر أن القوى الثورية حاليًا محبطة ما بين هزيمة ساحقة، وتغوُّل الثورة المضادة في الإعلام، واعتقال الآلاف، والمذابح التي تحدث في الشارع بواسطة الآلة القمعية. إلا أنه يتفق مع وجهة نظر درويش، إذ يرى أن الاحتفاء الأكبر بالثورة سيكون في إعادة القوى المتمسكة بالثورة ترتيب نفسها ضد أجنحة الثورة المضادة، وفي مراجعة الجميع لما قاموا به، غير أنه يرى أن الوقوف أمام أي فساد هو احتفاء بالثورة، والوقوف أمام، وفضح، البطش والاستبداد الذي تمارسه السلطة الحالية، والذي لم تمارسه سلطة قبلها، يعد أيضًا احتفاءً بالثورة.

وتؤكد درويش على أن أحد أهم وسائل إحياء الثورة هو التخلي عن “الاحتكار الثوري”، فهي مقتنعة أن واقع حياة الناس يتغير، وأن الواقع الحالي وحالة الاحتفاء الشعبي بالسيسي ستتغير، لكنها تتساءل: “لما يتغير.. إحنا هنكون فين؟”، وترى أهمية في تذكير أنفسنا بالأسباب التي جعلتنا نغضب ونثور ونأمل في مستقبل أفضل، حتى نستطيع أن نكون جزءًا من المعادلة مرة ثانية.

وفي حين يرى غربية أن اللحظة الحالية قد لا تكون لحظة الثوار، وأن موجة القمع الحالية جعلت الكثير من الناس مرتبكين ولا يدرون ماذا يفعلون، لكنه لا يظن أننا ابتعدنا عن ثورة يناير بما يكفي لأن ننظر لها باعتبارها حدث انتهى وانتهت آثاره.

بينما يؤمن فهمي أننا لا نتذكر أو نحكي عن ثورة يناير من باب الترحم، بل نتذكر من باب الاعتزاز بما قمنا به، والاعتزاز بقدرتنا على القيام به، والتأكيد على أننا قمنا به مرة، ونقدر أن نقوم به مرة أخرى.

وتختتم سويف بقولها أن الاحتفاء الأهم هو أن نعيش القيم والسلوك والأهداف التى كنا عليها في “سنة أولى ثورة”، ممزوجة ومطورة بمراجعة أسباب هزيمتنا الحالية وما نتعلمه منها.

اعلان