إمبراطورية الجيش الاقتصادية: دعم السلطة الحاكمة يهدد نفوذ القطاع الخاص
 
 

يسود داخل أوساط النخبة الرأسمالية المرتبطة بالسلطة تبرم هامس جراء التوسع في الاعتماد على الجيش في عدد من المشروعات الاقتصادية الكبري، خصوصًا بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي، وهو ما قد يخلق مخاوف لدى القطاع الخاص من تهديد مصالحهم حال استمرار المؤسسة العسكرية في تنفيذ هذه المشروعات، التي وصفها مساعد وزير الدفاع محمود نصر في مؤتمر إعلامي منذ عامين بأنها “عرق وزارة الدفاع، ولن نسمح بالتدخل فيها”.

 في أعقاب إزاحة الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو 2013، تزايد حجم أعمال المؤسسة العسكرية في المشروعات الاقتصادية، ودخلت كشريك في عدد من المشروعات، أبرزها مشروع لإسكان محدودي الدخل بقيمة 40 مليون دولار، تشترك فيه الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع شركة “أرابتك” الإماراتية، قبل أن تنسحب منه الهيئة الهندسية الشهر الماضي بقرار من الرئيس عبدالفتاح السيسي وتحل وزارة الإسكان بديلًا لها بعد تحول المشروع لإسكان متوسطي الدخل، كذلك تشترك الهيئة الهندسية للقوات المسلحة مع تحالف “دار الهندسة مصر” في أعمال تنفيذ مشروع قناة السويس الجديدة. هذا بخلاف عدد كبير من المشروعات التنموية ومشروعات البنية التحتية.

 يذكر أن مساهمة القوات المسلحة بهذا الدور الموازي لمهامها الرئيسية تتم بواسطة 4 أجهزة تابعة لها، وهي:

1: جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع له عدد من الشركات تغطي مجموعة واسعة من القطاعات، منها شركات: النصر للكيماويات الوسيطة، العريش للأسمنت، الوطنية للبترول، الوطنية لإنتاج وتعبئة المياه “صافي”، مكرونة كوين، الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي، النصر للخدمات والصيانة “كوين سيرفس”، مصر العليا للتصنيع الزراعي، مصنع إنتاج المشمعات البلاستيك، بخلاف قطاع الأمن الغذائي الذي يتبع الجهاز.

2 : الهيئة القومية للإنتاج الحربي التي تملك أكثر من 15 مصنعًا للصناعات العسكرية والمدنية (الأجهزة الكهربائية والإلكترونية بشكل أساسي).

3: الهيئة العربية للتصنيع، التي تدير 11 مصنعًا وشركة في مصر تعمل في العديد من المجالات في الصناعات العسكرية والمدنية.

 4: الهيئة الهندسية للقوات المسلحة المتخصصة في مجالات الإنشاءات العسكرية والمدنية، ومشروعات البنية التحتية والطرق والكباري، وبناء المدارس، ومجالات التنمية السياحية واتطوير المنشآت الرياضية، ومشروعت الإسكان الاقتصادي، والتخطيط العام للمدن.

وفي الوقت الذي تغيب فيه الشفافية حول الأرقام الدقيقة، يقدر البعض حصة القوات المسلحة من الاقتصاد المصري بـ 40% في أقل التقديرات، وهو الرقم الذي نفاه الرئيس عبدالفتاح السيسي، في حوار مع وكالة رويترز وقت ترشحه للرئاسة في مايو 2014، مؤكدًا أن النسبة الصحيحة لحجم الاقتصاد الذي تديره المؤسسة العسكرية في الاقتصاد المصري لا تتجاوز 2%. وهو الرقم الذي أعاد ذكره في حوار آخر في الشهر نفسه مع إعلاميين مصريين أكد خلاله أيضًا أن المؤسسة العسكرية لن تأخذ دور القطاع الخاص وأن دور الجيش ليس العمل فى القطاع الاقتصادى إلا في إطار يحقق احتياجاته، وأضاف أن اقتصاد الجيش ليس اقتصادًا موازيًا للدولة.

عمرو اسماعيل، الباحث بمركز كارنيجي للأبحاث والدراسات السياسية، يرى أن المؤسسة العسكرية مرشحة لمزاحمة الشركات الرأسمالية الكبرى، وليست الشركات المتوسطة التي يعاملها الجيش كمقاول فرعي subcontractor ، مشيرًا إلى أن دور القوات المسلحة المتعاظم فى تنفيذ هذه المشروعات حل محل الشركات الكبري (كـ”أوراسكوم والمقاولين العرب”) في عدد من المشروعات.

ورغم التوسع غير المسبوق فى عدد وحجم المشروعات الاقتصادية التى تنفذها الجهات التابعة للقوات المسلحة في الفترة الحالية، إلا أن عاطر حنورة، رئيس وحدة المشاركة مع القطاع الخاص، التابعة لوزارة المالية، نفى في مقابلة مع «أصوات مصرية» أن يكون في إسناد مشروعات البنية التحتية والخدمات إلى الجيش منافسة للقطاع الخاص في مصر، مبررًا حصول الجيش على امتيازات تللك المشاريع بأن “هناك مشروعات لا بد أن يبدأ تنفيذها فورًا.. والوحدة تستغرق فترة طويلة قد تصل إلى أكثر من عامين لإسناد مشروع لإحدى الشركات وذلك لعمل دراسات جدوى المشروعات الإقتصادية والطرح والترسية”.

غير أنه عاد ليقول: “من غير الممكن أن تسند كل المشروعات للجيش لأنه له طاقة في النهاية.. كما أنه يعتبر المخزون الإستراتيجى للبلد ولو استُهلكت قدراته بالكامل في كل صغيرة وكبيرة.. فلن نجده عندما نحتاجه في الأمور الضرورية”.

وقد أُسند للهيئة الهندسية بالقوات المسلحة في الفترة الأخيرة مشروعات مثل تنفيذ 150 ألف وحدة سكنية لمتوسطي الدخل، والإشراف على تطوير أكثر من 3000 كيلومتر من شبكة الطرق، وحفر آبار مياه في توشكى، وإنشاء محطة تحلية مياه في سيناء، وتطوير 43 مستشفى تابع لوزارة الصحة، وتطوير 47 منطقة عشوائية في القاهرة والجيزة بالتعاون مع وزارة التطوير الحضاري (تم الانتهاء من 7 مناطق منها بتمويل من مجلس الوزراء واتحاد البنوك)، وإنشاء البنية الأساسية لـ10,000 فدان في الفرافرة. هذا بخلاف الشراكات الاقتصادية للقوات المسلحة مع عدد من الشركات العالمية في مجالات تصنيع الأجهزة الإلكترونية والسيارات.

 ويرى اللواء أركان حرب عماد الألفي، رئيس الهيئة الهندسية، أن أهم أسباب إسناد المشروعات للقوات المسلحة هو كونها تنفذ مشروعاتها بجودة عالية وتكلفة قليلة جدًا وفي الوقت المطلوب.

وفي حين يرى البعض أن القوات المسلحة تعتمد على المجندين في تنفيذ مشروعاتها الاقتصادية، ما يمنحها ميزة وجود أيدي عاملة قليلة التكلفة، يرى اللواء الألفي الأمر من منظور آخر، ويوضح أن الغالبية العظمى من العاملين بمشاريع القوات المسلحة هم جنود، لمنحهم الخبرة اللازمة ومساعدتهم على العمل فى القطاع المدنى بعد أداء خدمتهم العسكرية، وهو ما يفسره بقوله: “الجندى الذى أدى الخدمة العسكرية يتخرج عضوًا صالحًا للعمل، ولدينا إدارة للتعليم والتدريب المهنى معنية بتدريب أفراد القوات المسلحة على جميع الحرف والمهن والمساهمة فى أعمال الجيش التخصصية”.

كان  رجل الأعمال نجيب ساويرس قد عبر عن رفضه توسعات الجيش في الاقتصاد في مقابلة مع قناة «العربية» في فبراير الماضي قال خلالها أنه “ضد انخراط الجيش في أعمال اقتصادية مدنية”، وكرر اعتراضه ذلك خلال حواره مع برنامج «هنا العاصمة» في سبتمبر الماضي قائلًا: “إن الجيش له مهام أخرى غير المشروعات، وهي حماية البلاد، والالتفات إلى المصائب التي تحدث في ليبيا والعراق”. واعتبر ساويرس أن الجيش لديه ميزة ليست لدى رجال الأعمال، وهي أنه “لما بينزل مش مهم التصاريح، ولا بيدفع رشوة، وبيقدر يتخطى المشاكل اللي إحنا عايزين نتخطاها كلنا”.

من جهته لا يجد الملياردير المصري شريف الجبلي، أحد أبرز الأسماء في مجال بيزنس الأسمدة في مصر، أسبابًا كافية تجعله رافضًا لانخراط الجيش في مشاريع اقتصادية، خلال الفترة الحالية على الأقل، يقول الجبلي في اتصال هاتفي مع «مدي مصر»: “لست ضد مشاركة الجيش في أعمال ومشاريع إقتصادية خلال الفترة الحالية”، مستبعدًا أن يكون لتلك المشاركة تأثير سلبي على القطاع الخاص في الفترة الحالية، مبررًا ذلك بأن: “الكل مستفيد من وراء المؤسسة العسكرية، من خلال احتياجاتها في المشاريع التي حصلت على حق انتفاع في تنفيذها، ولأن هذا الدور مؤقت ولن يستمر”.

وبسؤاله عن إعفاء مشاريع الجيش من دفع الضرائب ومدى كون ذلك أحد أشكال المنافسة غير العادلة، تحفظ الجبلي على التعليق على هذا الأمر قائلا: “أنا مش عايز أدخل في مشاكل مع الجيش”.

وبحسب البحث الذي أعده أحمد مرسي لمركز كارنيجي للشرق الأوسط “تعفي القوانين في مصر أرباح الجيش من الضرائب ومتطلّبات الترخيص التجاري وفقاً للمادة 47 من قانون ضريبة الدخل لعام 2005. كما تنصّ المادة الأولى من قانون الإعفاءات الجمركية لعام 1986 على إعفاء واردات وزارة الدفاع ووزارة الدولة للإنتاج الحربي من أي ضريبة. وهو ما يعطي للجيش المصري ميزة نسبية في أنشطته التجارية لا تمتلكها باقي الشركات المملوكة للدولة أو شركات القطاع الخاص”.

كما لا تمر مصادر دخل المؤسسة العسكرية عبر الخزينة العامة للدولة، حيث يوجد مكتب خاص في وزارة المالية مسئوليته التدقيق في حسابات القوات المسلحة والهيئات التابعة لها وبياناته وتقاريره لا تخضع لسيطرة أو إشراف البرلمان أو أي هيئة مدنية أخري.

وقد يكون تضارب أو عدم وضوح التصريحات الآتية من قيادات القوات المسلحة بخصوص المشروعات الاقتصادية أحد أهم سلبيات غياب المحاسبة والشفافية فيما يخص اقتصاد المؤسسة العسكرية، أو هو نتيجة لها.

ففي 22 فبراير الماضي وأثناء افتتاح الرئيس المؤقت عدلي منصور ووزير الدفاع عبدالفتاح السيسي عددًا من المشروعات التي نفذتها القوات المسلحة لتطوير شبكة الطرق وعدد من المشروعات الطبية الخاصة بالقوات المسلحة، ألقى اللواء أركان حرب طاهر عبدالله، رئيس الهيئة الهندسية آنذاك، كلمة قال فيها أن الإنجازات والمشروعات التى نفذتها الهيئة الهندسية خلال الفترة من أغسطس 2012 حتى تاريخه، شملت تنفيذ 473 مشروعًا استراتيجيًا وخدميًا، قبل أن يعود اللواء عبدالله لتكرار الرقم نفسه من المشروعات دون أي تغيير بعد مرور ثلاثة أشهر كاملة، وتحديدًا في 14 مايو الماضي، أثناء زيارة لوزير الدفاع صدقي صبحي لعدد من المشروعات التي نفذتها الهيئة.

كانت تقارير صحفية قد نقلت بالتزامن مع التصريح الأول للواء عبدالله أن الهيئة الهندسية قامت بالتخطيط لتنفيذ 854 مشروعًا بداية من أغسطس 2012، تم تنفيذ 473 منها، بما يعادل تنفيذ أعمال يومية بقيمة 50 مليون جنيه تقريبًا.

وبعد استبدال اللواء أركان حرب عماد الألفي باللواء طاهر عبدالله في رئاسة الهيئة الهندسية استمرت سياسة التصريحات التي تحوى أرقامًا لا يتم مراجعتها أو التدقيق فيها، ففي حوار مع الفضائية المصرية في 21 أغسطس الماضي صرح الألفي أن الهيئة تعمل بنسبة 5% من إجمالي العاملين في مشروع حفر قناة السويس الجديدة، قبل أن يعود بعد هذا التاريخ بشهر واحد، وتحديدًا في 23 سبتمبر الماضي، وخلال مقابلة مع برنامج «الحياة اليوم» ليصرح أن القوات المسلحة مشتركة في أعمال حفر قناة السويس الجديدة بنسبة 3% فقط، بينما يمتلك القطاع الخاص باقي الحصة.

هاني سري الدين، رئيس مكتب “سري الدين وشركاه” للاستشارات القانونية والمحاماة، المستشار القانوني للتحالف الفائز بوضع المخطط العام لمشروع تنمية إقليم قناة السويس، استبعد، في اتصال هاتفي مع «مدي مصر»، مزاحمة الجيش للقطاع الخاص، واعتبر أن تنفيذ المؤسسة العسكرية لهذا الدور الاقتصادي “مرحلي وانتقالي في مرحلة ضرورية لتنفيذ مشروعات عاجلة، ولن يستمر هذا الدور على المدى البعيد لأن المسئول عن هذا الدور هو القطاع الخاص”.

ويري سري الدين أن تقديم الحكومة الحالية تسهيلات لرجال الأعمال لاستئناف المشاريع الإقتصادية “واجب”، مطالبًا الحكومة الحالية بإعلان واضح عن سياسات الضرائب والطاقة وتوجهاتها الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

من وجهة نظر إسماعيل،الباحث بمركز كارنيجي، فإن تعاظم دور القوات المسلحة خلال الفترة الأخيرة يرجع إلى سببين رئيسين هما: دعم النظام السياسي في مصر، وتراجع حجم الاستثمارات الخاصة سواء كانت محلياً أو أجنبياً لعدم تيقن أصحاب رؤؤس الأموال من استقرار الأوضاع السياسية والأمنية.

ويوضح إسماعيل أن إمبراطورية الجيش تكونت مع عصر التحرير الاقتصادي منذ الثمانينيات، وتطورت مع تطور الرأسمالية الكبرى التي تمايزت العلاقة بينهما بين علاقة تكامل في مرحلة معينة، وتنافس على أراضي الدولة خلال فترة الحزب الوطني المنحل، موكدًا أن الإشكالية الكبرى تتمثل في إدارة الموسسة العسكرية لهذه المشروعات دون محاسبة أو شفافية.

 في النصف الثاني من العقد الماضي كانت السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة التي تبناها نجل الرئيس السابق جمال مبارك كفيلة بترجيح كفة القطاع الخاص المستند وقتها إلى دعمه وفريقه في الحكومة المعروفة آنذاك بإسم “حكومة رجال الأعمال” من خلال تواجدها في السلطة.

 سري الدين، الذي شغل عضوية اللجنة الاقتصادية للحزب الوطنى المنحل خلال تلك الفترة قبل أن ينضم لعضوية الفريق الاستشاري لحملة المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي، استبعد تكرار تجربة تزاوج المال والسياسة لأسباب عديدة منها كون “المجتمع والنظام الحالي رافض للتزواج بين المال والسياسة بشكل غير مشروع، فالرئيس الحالي متفهم لسلبيات هذه التجربة التي تنتقص من  شرعيته واستقرار سلطته”.

رغم استبعاد سري الدين تكرار تجربة جمال مبارك من خلال تزاوج المال بالسياسة بشكل غير شرعي، إلا أنه يؤكد أيضًا على “حق رجال الأعمال في ممارسة السياسية أو ترشحهم لمناصب تنفيذية بالسلطة طالما هناك ضوابط وقوانين لدورهم، سواء كانوا خارج السلطة أو فاعلين بها”.

يقول إسماعيل: “خلال تلك الفترة حققت مجموعة جمال مبارك، التي كانت تمهد لعملية التوريث السياسي وتأسيس سياسات نيوليبرالية، بعض الانتصارات لحساب القطاع الخاص، لكنها كانت انتصارات لصالح محاسيبهم ومنافع شخصية لهم بشأن أراضي الدولة التي كانت ترى هذه المجموعة أنها متاحة للتعامل التجاري فيما كان يري الجيش، الطرف السيادي، أنه صاحب الحق فيها”، مشيرًا إلى أن هذه الأراضي ذهبت لأصدقائهم بأسعار زهيدة خصوصًا في عهد وزير الإسكان أحمد المغربي.

وبحسب بحث مرسى يُعَد “الجيش هو أكبر قيّم على الأراض الحكومية في البلاد، حيث منح  قرار رئاسي صدر في عام 1997 الجيش الحق في إدارة جميع الأراضي غير الزراعية وغير المستثمرة، والتي تشير التقديرات إلى أنها تصل إلى 87 في المئة من مساحة البلاد“.

تجربة سيطرة  الجيش علي مقدرات البلاد الاقتصادية مقابل انحسار دور القطاع الخاص  في مصر تتشابه إلى حد كبير مع نموذج التجربة الأثيوبية في التنمية، والتي ذكر عدد مايو الماضي من مجلة “أفريقيا ريبورت الفرنسية” المهتمة بمتابعة تطورات الإقتصاد فى دول أفريقيا جنوب الصحراء، أن هناك عدد من المشاكل الرئيسية المهددة لنجاح هذا النموذج، منها الفساد، وضعف القدرات التنفيذية للشركات الحكومية، وعدم خلق قطاع خاص قوى بجوار الحكومة، وأيضا الديكتاتورية السياسية التى عادة ما تصاحب هذا النموذج وقد تؤدى لمشاكل أمنية واجتماعية تنفر الاستثمار الأجنبى.

اعلان