هل تُخمد الدولة «ثورة الجامعات».. أم تدفع نحوها؟
 
 

على مدار الأسابيع الماضية، قررت السلطة التنفيذية ومفوضيها في التعليم العالي حزمة من الإجراءات استعدادًا للعام الدراسي الجديد، أثارت الكثير من الجدل حول مشروعيتها ومشروعية أهدافها. ربما كان أكثرها فداحة اقتراح التعديلات المقدمة من مجلس الوزراء على قانون تنظيم الجامعات، بمنح أحقية عزل أعضاء هيئة التدريس لرئيس الجامعة دون تحويلهم لمجلس تأديبي، لكن الإجراءات الأخرى لم تقل في استثنائيتها.

بدأ حزمة الإجراءات جابر نصار رئيس جامعة القاهرة بأن صرّح بمنع النشاط السياسي داخل الجامعة، وألغى المعسكر الصيفي لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية لما يحدث فيه من أنشطة سياسية رآها “أكثر من اللازم”.. كما قال في عدة مناسبات أنه أتفق مع «الطلبة الوطنيين» على الإبلاغ عن زملائهم «المخالفين».

واصل رؤساء الجامعات الآخرون حفلة القرارات والتصريحات. فأكد جمال الدين أبو المجد رئيس جامعة المنيا، أثناء اجتماعه مع مجلس الجامعة للشؤون المالية والإدارية، أن جامعته تعمل على التعاقد مع شركة أمن خاصة، وسيمنع العمل السياسي داخل الحرم الجامعي. أما محمد القناوي رئيس جامعة المنصورة فقال إن “وزارة التعليم العالي اتفقت مع شركة أمن خاصة على تولي تأمين الجامعات، ومعاونة أفراد الأمن الإداريين في فرض السيطرة الأمنية داخل الحرم الجامعي ورصد الطلاب الذين وصفهم بأصحاب الأجندات السياسية”.

من جانبه، ذهب حسين عيسى رئيس جامعة عين شمس بقراراته لمدى أبعد. فقال إن الجامعة تعاقدت مع شركة أمن خاصة لمراقبة الأعمال المخالفة من قبل الطلاب، تحديدا المظاهرات والأنشطة السياسية. وأكد أن الشركة ستضع كاميرات مراقبة داخل الحرم الجامعي، كما ستوضع أبواب مصفحة عند المداخل. وقرر أيضا أن الدخول للجامعة، سواء بالنسبة للطلبة أو لأعضاء هيئة التدريس سيكون من خلال «كروت ممغنطة» لمنع المتسللين، مؤكدا أنه سيتم القبض على المخالفين وتحويلهم للمحاكمة، دون تحديد ماهية التهمة واذا ما كانت شركات الأمن الخاصة أو الأمن الإداري في الجامعات يتمتعان بحق الضبطية القضائية.

وزير التعليم العالي سيد عبدالخالق لم يكن خارج هذا السياق، فحوّل المؤتمر الصحفي الأخير، الذي كان مقررا له أن يتحدث فيه عن مشكلات القبول في الجامعات، لهجوم واضح على أعضاء هيئة التدريس، ليقول إن تعديلات قانون تنظيم الجامعات المزمع اقرارها تستهدف كشف أعضاء هيئة التدريس المحرضين على العنف وعزلهم، مؤكدا أن “الحكومة لن تسمح بتحويل الجامعات لمقرات للتآمر على البلاد”.

شكلت هذه القرارات حالة عامة عكست توجه الدولة في التعامل مع المجتمع الجامعي، حالة رآها هاني الحسيني عضو هيئة التدريس في جامعة القاهرة تسعى لعكس صورة خاطئة عن الجامعات.

قال الحسيني أن السلطة التنفيذية، بمساعدة من الإعلام، تخلق صورة غير صحيحة عن الجامعات، تقول إن الجامعات أصبحت ملاذًا للعنف والإرهاب، وكأنها هي من تصدره للمجتمع. وضرب الحسيني مثلًا بالعام الدراسي الماضي، وقال أن الإعلام صور أن العملية الدراسية تعطلت بسبب المظاهرات، إلا أن كلية العلوم مثلًا، وهي تقع في وسط الحرم الجامعي، توقفت الدراسة بها خلال العام كله ست ساعات فقط.

وافق هذا الرأي خالد سمير، أستاذ الطب في جامعة عين شمس، وقال لـ«مدى مصر»، إن الدولة قررت التعامل مع المشاكل الطلابية بالحلول الأمنية، بفصل الطلاب أو حبسهم. وتذكر أنه خلال العام الماضي ألقى القبض على طلاب من الجامعة بعد خروجهم من لجان الامتحان، وقدمت الجامعة للجهات المختصة أوراق امتحانهم التي أفادت بأنهم كانوا داخل اللجان وليسوا في مظاهرات، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا زالوا قيد التوقيف، مقدرًا أن ذلك هو ما يصنع العنف لا يعالجه.

محمد حسني، عضو هيئة التدريس بجامعة عين شمس، يقول لـ«مدى مصر»، إن “الدولة تأخذ اجراءات مخالفة للدستور ولقانون تنظيم الجامعات ومخالفة حتى للائحة الطلابية، وذلك لمواجهة الحركة الطلابية التي أخرجت العديد من الاحتجاجات العام الماضي”. وأضاف أنه يتوقع أن الحالة السياسية العامة، التي تعاني من تراجع، لها الأثر الأكبر في تراجع الحركة الطلابية داخل الجامعات، موضحًا أن الحلول «الأمنية» نجحت في العام الماضي في السيطرة على الإتحادات الطلابية، لكنها لم تنهي الحركة الاحتجاجية بل غذتها واستفزتها.

ويتوقع حسني أن الإجراءات التي تتخذها الجامعات لن تؤثر إلا على الأمور الشكلية فقط، في إشارة للتعاقدات التي تحدث مع شركات الأمن الخاصة.

وكان ابراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء، قد فوض سيد عبدالخالق، وزير التعليم العالي، في التعاقد مع شركة «فالكون للأمن والحراسة»، لتأمين 16 جامعة حكومية من بينها جامعة الأزهر، دون توضيح تكلفة هذا التعاقد، أو توضيح تفاصيل مهام الشركة تحديدًا. والتي لم يذكرها سوى تصريح من شريف خالد المدير التنفيذي للشركة، الذي قال أن الشركة ستفتش سيارات أعضاء هيئة التدريس، وتراقب أسوار الجامعات وتراقب المحيط بكاميرات المراقبة.

وأضاف حسني أن حالة الصمت خلال العام الماضي، على قرار رئيس الجمهورية بإلغاء انتخابات القيادات الجامعية، أعطت الفرصة لتوقيع المزيد من الاجراءات القمعية داخل الجامعة، مستطردًا: “أجواء الهجوم على ثورة يناير، وعودة فلول نظام مبارك للظهور في المجتمع، أعطوا الفرصة لرؤساء الجامعات بإظهار موقفهم الأصلي من الثورة ومن مكتسباتها”.

لم يبدِ حسني تفاؤلًا كبيرًا في ما يتعلق بمستوى الحركة عند أعضاء هيئة التدريس. “لم يكن هناك أي دعوات لأي عمل جماعي في العام الماضي.. فقط وقت رئاسة مرسي ظهرت دعوات للإضراب، وكانت الدولة العميقة تقف وراء هذه الدعوات، عرفنا ذلك من خلال الوجوه التي تصدرت الدعوة”.

 خالد سمير، عضو هيئة التدريس بجامعة عين شمس وعضو مجموعة العمل من أجل استقلال الجامعات «9 مارس»، لم يختلف كثيرا مع رأي حسني.

قال سمير لـ«مدى مصر»: “رؤساء الجامعة، الذين أتوا بالانتخاب، سلموا أنفسهم للسطلة التنفيذية وانقلبوا على القواعد التي صعّدتهم كقيادات جامعية”. وأضاف أن أعضاء هيئات التدريس في مختلف الجامعات أقاموا خلال العام الماضي عشرات من ورش العمل والمؤتمرات والاجتماعات لبحث استيعاب الحركة الإحتجاجية بين الطلاب، وبدلًا من أن تستمع القيادات الجامعية لذلك، سهلت عمل الأجهزة الأمنية ولم تلتفت إلا للأبعاد الأمنية والشخصية، وبدلا من أن تتعاون مع هيئات التدريس، أقدمت على الهجوم عليها وانتزاع حقوقها.

على مستوى الحراك بين أعضاء هيئة التدريس، قال سمير أنهم ليسوا في مواجهة مع الدولة، إلا أنه أكد وجود إجراءات للرد على ما وصفه بـ«الردة على أساتذة الجامعة»، وذلك بالطعن أمام القضاء الإداري على التعديلات القانونية الخاصة بفصل الطلاب دون تحقيق، والغاء انتخاب القيادات الجامعية، وسلطة وزير التعليم العالي داخل المجلس الأعلى للجامعات.

على المستوى الطلابي، كان الأمر مختلفًا، ففي حين تركزت ملاحظات أعضاء هيئة التدريس على الأمور القانونية، كان للطلاب زوايا عملية وميدانية أكثر.

أحد الطلاب من حركة «طلاب ضد الانقلاب» في جامعة الزقازيق عبّر عن ذلك في حديثه لـ«مدى مصر». يقول الطالب، الذي تحفظ على ذكر اسمه، “الأمر بالنسبة لأعضاء هيئة التدريس يتعلق بمظهرهم ومستواهم الاجتماعي. هم يرفضون أن تفتش شركة الأمن سياراتهم أو أن يفصلوا دون تحقيق. لكن في العام الماضي عندما اقتحم الأمن الحرم الجامعي وقتل طلابا داخله،لم يخرج عنهم صوت”.

ويضيف الطالب: “الجامعة هي جزء من الشارع، كان الشارع العام الماضي يحتج على عزل رئيس منتخب، ووصلت هذه الاحتجاجات للجامعات. أما الآن فالأمر اختلف. أصبح لنا زملاء شهداء وآخرين معتقلين. لن تؤثر إجراءات الدولة على مطالبتنا بحق زملائنا”.

السلطة التنفيذية تجهز إجراءاتها على قدمٍ وساق، ربما هذا ما وقف وراء تأجيل الدراسة عدة مرات. ربما تنجح هذه الإجراءات في محاصرة الجامعات والاحتجاجات داخلها. لكنها قد تؤتي بنتائج غير متوقعة، كتلك التي يشير لها طالب الزقازيق قائلًا: “هناك حالة من الغضب بين الطلاب تجاه الأساتذة، لكن الدولة باجراءاتها توحد الشريحتين على نفس المطالب وضد نفس السياسات”.

اعلان