ما الجديد في الرقابة على الإنترنت في مصر؟

يبدو أن الحكومة المصرية لم تكتف بالطرق التقليدية للرقابة التي تفرضها على الإنترنت خصوصا والاتصالات بوجه عام. تلك الرقابة التي تمحورت لسنوات حول الملاحقات القضائية للمستخدمين بدعاوى مختلفة، تحاول الحكومة تطويرها اليوم لتنتقل إلى مرحلة المراقبة الشاملة للنشاط الرقمي للمستخدمين، ليس فقط ما يتعلق  بالمحتوى العام، بل أيضاً  محادثات ومراسلات الأفراد التي تتم عبر بعض التطبيقات الرقمية مثل “فايبر” و”واتس آب”.

في إطار تطوير استراتيجيتها من الرقابة المحدودة إلى المراقبة الشاملة لأنشطة مستخدمي مواقع التواصل الإجتماعي ومحادثاتهم ومراسلاتهم الشخصية، أعلنت الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية عن إجراء مناقصة بطريقة الممارسة المحدودة بهدف توريد وتشغيل برمجيات تهدف إلى مراقبة النشاط الرقمي على شبكة الإنترنت. جاء المشروع الذي أعلنت عنه الوزارة تحت عنوان “مشروع رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي- منظومة قياس الرأي العام” والذي  أعلن عنه بتاريخ 1/6/2014من خلال تقرير نشرته صحيفة الوطن المصرية.

لم تنكر وزارة الداخلية ما نشرته الصحيفة، بل أكد أحد قيادتها في اتصال هاتفي مع إحدى القنوات التليفزيونية صحة الخبر المنشور، على الرغم من دفاعه المستميت عن عدم مساس هذا المشروع بخصوصيات الأفراد أو حقهم في المعرفة أو التعبير.
من ناحية أخرى أثارت هذه المعلومات غضب وقلق النشطاء المصريين خاصة مع تزامن الإعلان عن هذا المشروع مع انتهاء الانتخابات الرئاسية في مصر، وقبل الإعلان رسميا عن نتيجتها، وجاء رد الفعل من جانب النشطاء ساخراً كالعادة بإنشاء وسم “هاشتاج” على موقعي تويتر وفيسبوك بعنوان “إحنا متراقبين“.

 فيما قرر بعض النشطاء والمنظمات الحقوقية مقاضاة وزارة الداخلية على إثر هذا الإعلان بأن أقاموا الدعوى القضائية رقم 63055 لسنة 68 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، والتي لم يتم تحديد جلسة لنظرها بعد.

بتاريخ ١٧/٩/ ٢٠١٤ نشرت بعض الصحف أن وزارة الداخلية تعاقدت بالفعل مع شركة “مصر للنظم الهندسية” التي قيل أنها فازت بالمناقصة وهي شركة تابعة لشركة أمريكية تسمى Blue Coat متخصصة في تكنولوجيا المراقبة والتجسس، وقد كان للشركة المصرية سابقة في التعامل مع جهاز أمن الدولة المصري. وقد أدى تداول الصحف لهذه الأخبار أن قامت الشركة بحجب موقعها على الانترنت مؤقتاً. من ناحية أخرى نشرت صحف أخرى على لسان مسؤولين بوزارة الداخلية توقيع هذا التعاقد.

بين الرقابة و المراقبة

ليست هذه هي المرة الأولى التي تثار فيها قضية المراقبة على المجال الرقمي في مصر، حيث كشف حكم محكمة القضاء الإداري الصادر عام 2011 في قضية قطع الاتصالات خلال أحداث ثورة 25 يناير أن هناك محاولات للمراقبة بدأت وفقاً لأقل التقديرات عام 2008 عندما قامت وزارات الداخلية والاتصالات والإعلام بمشاركة شركات المحمول بإجراء بعض تجارب المراقبة كانت إحداها في 6 أبريل عام 2008 والأخرى في 10 أكتوبر 2010 وقد استهدفت التجربتين قطع الاتصالات عن مصر وكيفية حجب بعض المواقع الرقمية، وأسلوب منع الدخول على شبكة الإنترنت “لمدينة أو لمحافظة أو لعدة محافظات” ، وكذلك إبطاء مواقع رقمية محددة، ووضع خطة لسرعة الحصول على بيانات مستخدمي الشبكة عقب استخدامها خلال فترة لا تقل عن ثلاثة أشهر.

أيضا أصدرت ذات المحكمة حكماً في عام 2010 بصدد مراقبة خدمة رسائل المحمول المجمعة “BULK SMS”،  حيث قضت بوقف تنفيذ قرار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بإخضاع خدمة الرسائل النصية القصيرة المجمعة للرقابة المسبقة أو اللاحقة، وبحظر تعليق مباشرة الشركات المرخص لها لنشاطها المتعلق بتقديم تلك الخدمة على وجوب الحصول على موافقات مسبقة قبل تقديم الخدمة تقوم على (رقابة محتوى الرسائل) محل الترخيص من أية جهات.

كما كشفت بعض الوثائق التي تم تسريبها من داخل مقرات مباحث أمن الدولة التي تم اقتحامها من قبل بعض المواطنين في أعقاب اندلاع ثورة يناير عن محاولات للحكومة المصرية لشراء تقنيات تمكنها من التجسس على بيانات وأنشطة مستخدمي وسائل الاتصال الرقمية، وذلك من إحدى الشركات المتخصصة في صناعة هذه البرمجيات والتي تسمى “مجموعة جاما الدولية”.

باستثناء الحالات السابقة فقد اقتصرت محاولات السلطات المصرية للسيطرة على الفضاء الرقمي خلال حقبة ما قبل عام 2008 وحتى الآن على مطاردة النشطاء قضائيا. كانت هذه الملاحقات تتم بمناسبة استخدام النشطاء شبكات التواصل الاجتماعي. مثل المدونات وتويتر وفيسبوك وغيرها. واعتمدت أغلبها على نصوص قانونية متفرقة في قانون العقوبات المصري، وفي قوانين عقابية أخرى صممت خصيصاً لمواجهة ما يسمى “جرائم النشر”. وعلى الرغم من عدم النص صراحة على تضمين وسائل النشر الرقمية ضمن وسائل النشر المنصوص عليها في هذه القوانين العقابية، إلا أن الأخيرة كانت من المطاطية بمكان لتسمح بوقوع النشر الرقمي تحت طائلة القانون.

دفع عدد ليس بقليل من النشطاء ثمناً باهظاً نتيجة رقابة الدولة على المحتوى المنشور على منصات التعبير الرقمي، حيث تم الحكم في فبراير 2007 على المدون كريم عامر بالحبس لمدة أربعة سنوات بتهمتى ازدراء الأديان وإهانة رئيس الجمهورية بسبب محتوى قام بنشره على مدونته الشخصية رأت جامعة الأزهر الذي كان “كريم” طالباً بها آنذاك أنه مخالف للقانون.
أ
و في غضون عام 2010 تم الحكم على مستخدم موقع “فيسبوك” أحمد حسن بسيوني بالحبس لمدة ستة أشهر بسبب قيامه بإنشاء صفحة على الموقع بهدف تقديم معلومات عامة للمتقدمين للتجنيد، حيث قضى “بسيوني” فترة تجنيده في الإدارة العامة للتعبئة والتجنيد، وبعد انتهاء تلك الفترة قرر أن يشارك ما لديه من معلومات عامة ومنشورة على كثير من المواقع، مع المتقدمين للتجنيد، تضمنت تلك المعلومات الأوراق المطلوبة، ومواعيد التقدم لمكاتب التجنيد، والآثار المترتبة على التخلف عن التقدم في المواعيد المحددة، وأسباب التأجيل والاعفاء وغيرها من المعلومات، وعلى الرغم من أن كافة المعلومات التي قام بسيوني بنشرها، كانت منشورة بالفعل على الكثير من المواقع ومنها موقع الهيئة العامة للاستعلامات الحكومي، إلا أن المحكمة العسكرية اعتبرت هذا المحتوى من الأسرار العسكرية التي لا يجوز نشرها إلا بإذن كتابي من وزير الدفاع حتى لو كان قد سبق نشرها.

لم تكن الرقابة على المحتوى سمة مميزة لما قبل ثورة يناير فقط، بل شهدت حقبة ما بعد يناير عدد من الملاحقات القضائية لنشطاء بسبب محتوى تم نشره على بعض مواقع التواصل الاجتماعي،  حيث تم الحكم على المدون ألبير صابر بالحبس لمدة ثلاث سنوات في ديسمبر 2012 بسبب عدد من المقاطع المرئية والمحتويات المكتوبة المنشورة على موقعي يوتيوب وفيسبوك بالإضافة إلى مدونته الشخصية والتي عبر من خلالها عن رأيه في بعض المسائل الدينية التي رأى القضاء المصري أنها تشكل إهانة لبعض الثوابت.

أثناء التحقيق في قضية ألبير صابر طلبت النيابة العامة من لجنة فنية تابعة لوزارة الداخلية الدخول على مواقع التواصل الاجتماعي التي له حسابات بها، وفحص المضبوطات الرقمية التي تم العثور عليها أثناء تفتيش منزله، وقد انتهى التقرير الفني إلى أنه من خلال فحص الرسائل الخاصة بحسابه على موقع فيسبوك، تبين وجود رسائل متبادلة بينه وأصدقائه تفيد في مضمونها أنه له حساب آخر على فيسبوك غير الحساب محل الفحص، وكذا ما يفيد أنه أحد القائمين على إدارة صفحة تسمى (صفحة الملحدين المصريين)، فضلا عن وجود (رسائل) متبادلة بينه وأصدقائه تتضمن عبارات ازدراء للدين الإسلامي.

هنا تجاوزت السلطات مرحلة (الرقابة) على المحتوى الذي طرح أمامها بمناسبة التحقيق في هذه القضية إلى مرحلة “المراقبة” والبحث واقتفاء الأثر لمجمل النشاط الرقمي لهذا الناشط المتهم، بهدف إضافة اتهامات جديدة وإثبات الاتهام الأولي ضده.

بالرغم من أن هذه الملاحقات قد اتسعت لتشمل التعقيب على أحكام القضاء والدعوة للتظاهر دون تصريح من الجهات المختصة، إلا أنها لم تحد من قدرة النشطاء خلال السنوات العشر الأخيرة على استخدام الفضاء الرقمي في تبادل الآراء، بما يتضمنه ذلك الآراء الصادمة وغير المألوفة، ونشر المعرفة وتلقيها، بل والدعوة لتنظيم الفاعليات السياسية التي شكلت تحدياً حقيقياً للسلطة خاصة خلال عامي 2011 و2012، وهو ما دفع السلطات المصرية لإعادة التفكير في إستراتيجيتها، وذلك بالبحث عن بديل للرقابة التقليدية المتمثلة في تجريم محتوى معين في حالة الزج بصاحبه في تحقيق أو محاكمة جنائية، تلك الإستراتيجية يبدو أنها لم تعد تجدي نفعاً في تحقيق أغراض الجهات الأمنية في حصار المجالين العام والسياسي، وهو ما دفعها للإعلان عن مشروع “رصد المخاطر الأمنية لشبكات التواصل الاجتماعي” أو “منظومة قياس الرأي العام” وهي الإستراتيجية التي تعتمد منهج المراقبة الشاملة والمستديمة للنشاط الرقمي، عوضا عن التدخل فقط في حالة وقوع فعل يجرمه القانون أو طلب سلطات التحقيق القضائية من الجهات الأمنية التحري بشأنه.

الخصوصية والتجسس

على الرغم من تهديد الرقابة التقليدية لحق الأفراد في الخصوصية، إلا أنه لا وجه للمقارنة بين حجم الانتهاكات المترتبة على هذا الشكل التقليدي وبين مثيله المتوقع من تطبيق آليات المراقبة الشاملة التي تسعى الحكومة  لاستخدامها.

وفقاً لما ورد في كراسة الشروط الخاصة بالممارسة المحدودة التي أعلنت عنها الوزارة فإن الغرض من التقنيات المطلوبة هو إنشاء نظام يستطيع إجراء التحريات على مجمل النشاط الرقمي بشكل دائم، ودون ارتباط ذلك بوجود شبهات حول استخدام الفضاء الرقمي في ارتكاب أفعال مخالفة للقانون من عدمه، وذلك على عكس ما هو ثابت بالتشريعات المصرية بشأن ضوابط التحري أو الاستدلال حول أي نشاط إجرامي، أو فعل مؤثم بموجب القوانين العقابية، حيث حدد قانون الإجراءات الجنائية المصري في المادة 21 منه حدود سلطات مأمور الضبط القضائي، بالبحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات اللازمة للتحقيق أو الدعوى.

هذا يعني أن سلطة مأمور الضبط القضائي في البحث والاستدلال مقيدة بوجود معلومات حول وقوع جريمة معينة، بواسطة أحد الأشخاص، أو بعضهم، وقد فصل القانون في المواد اللاحقة على هذه المادة كيفية اتصال من لهم صفة الضبط القضائي بعملية التحري وجمع الاستدلالات ذاتها، وذلك من خلال عدة وسائل، منها الحصول على الإيضاحات وإجراء المعاينات التي تسهل التحقيق في الوقائع التي تبلغ إليهم بشأن ارتكاب الجرائم، أو القبض على متهم متلبساً بارتكاب جناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، أو استصدار اذن من النيابة العامة بالقبض عليه في حال انتفاء حالة التلبس، وهو ما يمتد أيضاً وفقاً للقانون ليشمل تفتيش الأشخاص والمساكن، حيث أجاز القانون لمأموري الضبط القضائي تفتيش أي شخص فقط في حالة جواز القبض عليه، وقد قضت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 2/6/1984 في القضية رقم 5 لسنة 4 قضائية بعدم دستورية نص المادة 47 من قانون الإجراءات الجنائية التي كانت تبيح لمأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة تفتيش منزل المتهم، وضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح له من أمارات قوية أنها موجودة فيه. حيث رأت المحكمة أن عبارة “أمارات قوية” يمكن التوسع في تفسيرها، وهو ما سوف يترتب عليه التعسف في استخدام سلطة التفتيش، ومن ثم يؤدي لانتهاك حرمة الحياة الخاصة للأفراد.

كذلك حظر قانون الإجراءات الجنائية بموجب المادة 50 التفتيش إلا للبحث عن الأشياء الخاصة بالجريمة الجاري جمع الاستدلالات أو حصول التحقيق بشأنها. وعلى الرغم من أن هذه المادة أعطت استثناء للقائم بالتفتيش في ضبط أشياء أخرى غير متعلقة بالأشياء التي تطلب منه النيابة العامة التفتيش عنها إلا أن هذا الإستثناء مقيد بأن يظهر عرضا أثناء التفتيش وجود أشياء تعد حيازتها جريمة، أو تفيد في كشف الحقيقة في جريمة أخرى.

هذه المنظومة المعلوماتية التي اعتمدها المشرع المصري للبحث عن الحقيقة فيما يتعلق بالجرائم ومرتكبيها تسعى وزارة الداخلية لتطبيقها على النشاط الرقمي بصوره المختلفة لكن بشكل أشمل، مع التحرر من كافة الضوابط التي حددتها القوانين لحماية خصوصية الأفراد وحقهم في التعبير وتداول المعلومات.

فعلى خلاف الشكل التقليدي للتحريات التي ترتبط بوجود شبهات حول ارتكاب جريمة من قبل أحد أو بعض الأشخاص، فإن نظام المراقبة الذي أعلنت عنه الداخلية يسعى لجمع المعلومات والتجسس على بيانات وأنشطة مستخدمي الانترنت بصرف النظر عن  وقوع أحد المستخدمين في دائرة الاشتباه من عدمه، كما أن المراقبة سوف تكون دائمة لا ترتبط بوقت محدد، فضلا عن إجرائها دون إذن قضائي، وسواء كانت هناك ضرورة للقيام بها أم لا.

مراقبة المجالين العام والخاص

أحد أوجه دفاع وزارة الداخلية عن مشروعها هو أن هذا النظام ليست له أي صلة بخصوصيات الأفراد، أو بحقوقهم في التعبير وتبادل المعلومات، وإنما فقط بالمعلومات التي تنشر في المجال الرقمي العام والتي يستطيع أي شخص الإطلاع عليها دون الحاجة لاستخدام تقنيات للتجسس أو لاختراق خصوصية الأفراد. وذلك بهدف مكافحة الإرهاب وغيره من صور الإثم الجنائي، هذا الدفاع بعيد تماماً عن المعلومات التي وردت في كراسة الشروط الخاصة بمشروع المراقبة من ناحية، فضلا عن أنه يثير التساؤل حول مدى تمتع الأفراد بالحق في الخصوصية في المجال الرقمي العام من ناحية أخرى.

إن القول بأنه لا مجال للحديث عن الخصوصية فيما يتعلق بالمعلومات المنشورة في المجال العام ـ على سبيل المثال التغريدات التي تنشر على موقع “تويتر” ـ إنما ينم عن جهل واضح أو تحايل على ما تعنيه الخصوصية، حيث أن قيام أحد المستخدمين بمشاركة آخرين في محتوى معين، إنما نابع من إرادته الحرة للمشاركة مع هؤلاء الآخرين اللذين يشاركونه بدورهم ما ينشروه من محتوى، أما قيام جهاز أمني برصد كل شاردة وواردة تحدث على مواقع التواصل الاجتماعي، فهذا قطعاً يتم رغماً عن إرادة المستخدمين، وهو ما يعتبر انتهاك جسيم للحق في الخصوصية، ومن الأمثلة البسيطة أيضا في هذا المجال، استخدام موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” حيث يشارك المستخدمين المحتوى العام مع قائمة أصدقائهم أو متابعيهم، وبالتالي فإن كل من هم خارج هذه الدائرة لا يستطيعون تلقي هذا المحتوى إلا إذا سمح لهم صاحب الشأن بذلك، وبالتالي فإن محاولة أيا ممن هم خارج هذه الدائرة الإطلاع على مشاركات أيا من المستخدمين الذين لم يسمحوا لهم بذلك هي انتهاك للحق في الخصوصية.

تحصين الخصوصية في المجال العام ليس حديثا جديداً على المجال الحقوقي أو القانوني، فقانون العقوبات المصري يجرم استعمال أي محتوى علني أو غير علني بغير رضاء صاحب المحتوى، وذلك بموجب المادة 309 مكرر “أ”  منه، ويشدد العقوبة إلى السجن إذا كان الفاعل موظف عام، والعبرة من ذلك هي وضع حدود لمنع التعسف في استعمال السلطة من قبل أجهزة الدولة في التنصت على الأفراد، كما حدد القانون المشار إليه صور الاستعمال في استراق السمع، أو تسجيل المحادثات أو نقلها، أو التقاط الصور أو نقلها. وهو ما يؤكد حق الأفراد في الخصوصية في المجالين العام والخاص على عكس ما يدعي ممثلو وزارة الداخلية بأنه لا خصوصية في المجال العام.

على مستوى اختراق المجال الخاص للأفراد، فقد تضمنت الشروط التي طلبتها وزارة الداخلية من الشركات التي سوف تتقدم للممارسة المحدودة أن الأولوية سوف تكون للعروض التي تتضمن ارتباط بشبكات اجتماعية اضافية مثل “واتس آب” و”فايبر” اللذان يستخدمان في المراسلات والمحادثات الخاصة، و”انستجرام” الذي يستخدم في حفظ وتعديل الصور، وهو ما يؤكد سعي الحكومة للتجسس على محادثات ومراسلات المستخدمين على عكس الادعاء بأن التصفح سوف يقتصر فقط على المحتوى المنشور في المجال العام.

أيضا تضمنت كراسة الشروط خاصية تسمح بالتعرف على الشخصيات المؤثرة في منطقة جغرافية معينة وعلاقتهم ببعضهم البعض من خلال فحص محتوى الشبكات الاجتماعية، وهو ما يعني رصد وتتبع أنشطة الأشخاص المؤثرين في المجال العام، أو المجال السياسي.

جدير بالذكر أن مشروع مراقبة شبكات التواصل الاجتماعي المطروح من قبل وزارة الداخلية مخالف للمبادئ الدولية الخاصة بتطبيق حقوق الإنسان فيما يتعلق بمراقبة وسائل الاتصالات، ومن أهم هذه المبادئ، مبدأ “التناسب” ومفاده أن القرارات بشأن مراقبة الاتصالات يجب اتخاذها بموازنة المكاسب المنشود تحقيقها بالضرر الذي ستحدثه في حقوق الفرد، وكذلك بالأهداف الأخرى المتعارضة مع أهداف المراقبة، وينبغي أن تؤخذ في الحسبان حساسية البيانات ودرجة فداحة الانتهاك الواقع على الخصوصية.

أما المبدأ الثاني الذي يخالفه القرار المطعون فيه فهو مبدأ “الضرورة” ومؤداه أن القوانين التي تسمح بمراقبة الاتّصالات من قِبل الحكومة يجب أن تقصر المراقبة على القدر الأدنى الممكن بيان ضرورته لتحقيق غرضٍ مشروع.

خلاصة ما تقدم، فإن الدولة المصرية بهذا المشروع تتجاوز ليس فقط الحدود الواردة في التشريعات المصرية بشأن الخصوصية، بل أنها تتجاوز الدستور ذاته، حيث لن ينتظر المراقبون إذن قضائي بالمراقبة واختراق خصوصيات الأفراد، ولن ترتبط المراقبة بفترة محددة، فضلا عن أنها سوف تتم سواء كانت هناك ضرورة لذلك أم لا. وهو ما يشكل تهديداً خطيرا لحقوق وحريات الأفراد، هذا التهديد لن يزال فقط بتطوير المستخدمين لتقنيات مضادة للتجسس والمراقبة، بل قبل ذلك بتغيير الإرادة السياسية لدائرة الحكم في مصر والتي ترمي لمصادرة منصات النشاط الرقمي.

فقضية المراقبة هي قضية سياسية بإمتياز، تعبر عن هوس الدولة وخوفها مما يتم مناقشته في هذا الفضاء، وبالتالي فإن مواجهة هذا المشروع يجب أن تكون سياسية أيضاً.

اعلان