العاصمة الإدارية.. حل لمشاكل القاهرة أم هروب منها؟
 
 

يبدو أن مَعين النظام الحالي لا ينضب من المشروعات الجديدة، التي ما أن يُعلن عن أحدها حتى ينتقل إلى الآخر، فأقل من شهر فصل بين الكشف عن اعتزام الحكومة بناء عاصمة إدارية جديدة ومشروع تنمية محور قناة السويس.

ووفقا لما صرّح به الدكتور مصطفى مدبولي، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة، فقد تم اختيار الموقع الجديد للعاصمة الإدارية بين طريقي القاهرة-السويس، والقاهرة-العين السخنة، شرق الطريق الدائري الإقليمي، الذي من المفترض أن يربط بين المدن الجديدة المحيطة بالقاهرة. ويفصل بين مساحة الأرض المخصصة للعاصمة الإدارية ومدينتي السويس والعين السخنة ٦٠ كيلومترا.

مدبولي أوضح أنه من المخطط توفير مساحات للوزارات ومجلس الوزراء، وحي دبلوماسي للسفارات، ومقار للشركات والمنظمات الدولية الكبرى، ومراكز للمال والأعمال، ومناطق للمعارض، ومنطقة سكنية، ومجمعات تكنولوجيا، وعدد من الجامعات والفنادق الكبرى.

وفي أول تصريح له عن العاصمة الإدارية، قال رئيس الوزراء إبراهيم محلب أن الهدف من المشروع هو تخفيف التكدس والإزدحام المروري في قلب القاهرة.

ورغم عدم الإعلان بشكل رسمي حتى الآن عن المساحة المخصصة للمشروع أو المخطط الزمني لتنفيذه، إلا أنه تم تكليف الهيئة العامة للتخطيط العمراني بالبدء في وضع مُخطط مُفصّل للمشروع، بينما نشرت «المصري اليوم» نقلا عن مصدر وصفته بـ”المسؤول” أن المشروع يبدأ تنفيذه في يناير المقبل فور اعتماده رسميا، على أن يتم الانتهاء منه خلال عامين على الأكثر.

كما صرّح محلب في برنامج “آخر النهار” على قناة التحرير أن تكلفة المشروع تبلغ ٢٥٠ مليار جنيه.

العاصمة الإدارية.. مشروع آخر مفاجئ

بالنسبة لـيحييشوكت، مسؤول برنامج الحق في السكن بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، فإن مشروع نقل مباني الوزارات والهيئات والمصالح الحكومية ليس جديدا، لكن المفاجئ بالنسبة له هو المكان الذي ستنتقل إليه الحكومة، “وفقا للتخطيط الاستراتيجي للقاهرة الكبرى، الذي أعدته الحكومة سنة ٢٠٠٧، كان من المفترض نقل مربع الوزارات إلى أطراف القاهرة، شرق الطريق الدائري في الجهة المقابلة للقاهرة الجديدة”، يقول شوكت.

كانت الحكومة المصرية  قد وضعت تخطيطا استراتيجيا لتطوير القاهرة الكبرى، عُرف إعلاميا أيضا باسم «مشروع القاهرة ٢٠٥٠» وبعد الثورة بـ«القاهرة ٢٠٥٢»، وأُنفق على هذه الدراسة بمخططاتها التفصيلية نحو ٢٠ مليون جنيه، وفقا لشوكت.

ويشار إلى المنطقة الواقعة بين شوارع: قصر العيني والشيخ ريحان ونوبار والمبتديان بمربع الوزارات، فهي تضم مقار وزارات الداخلية، والعدل، والصحة، والتربية والتعليم، والإنتاج الحربي، والتموين، والتعليم العالي والبحث العلمي.

يذكر أنه في سبتمبر ٢٠٠٩ شكّلت حكومة أحمد نظيف لجنة، لدراسة نقل المباني الحكومية من وسط القاهرة إلى أطرافها، وقتها كان مصطفى مدبولي، وزير الإسكان الحالي، رئيسا لهيئة التخطيط العمراني.

وفي المشروع القديم، تم تخصيص ١٥٠٠ فدان لنقل ١٣ وزارة كمرحلة أولى، بالإضافة لبناء مقر جديد لمبنى رئاسة مجلس الوزراء، ليشكل ذلك حيّ حكومي جديد، يضاف إليه حي للسفارات ومنطقة إدارية للشركات والبنوك والجهات الدولية التي ترغب في الانتقال، بالإضافة لحديقة كبيرة على مساحة ٢٢٠ فدانا، ومساحات للمساكن والأنشطة التجارية والتعليمية، وهو مشروع مماثل تماما للعاصمة الإدارية الجديدة، والاختلاف بينهما فقط في الموقع المختار.

يقول شوكت: “اختلفنا أو اتفقنا حول المشروع القديم لنقل مربع الوزارات، فهو مشروع تم إعداده وفقا لدراسة واضحة، يمكن قراءتها والتعليق عليها، بينما المشروع الجديد لا توجد له أي دراسة ـ على حد عملنا ـ حتى الآن تم الاعتماد عليها في اختيار الموقع الجديد، ولا إمكانية تحقيقه للأثر والنتيجة المرجوة وهي تخفيف التكدس داخل القاهرة”.

لدى شوكت شكوك حول إمكانية تحقيق المشروع النتائج المعلنة عنه، نظرا لبعد الموقع الذي تم اختياره عن القاهرة، مما يعني احتياج إضافي لمد طرق ومواصلات لهذا الموقع.

كان الدكتور عاصم الجزار، رئيس الهيئة العامة للتخطيط، قد صرح أن العاصمة الجديدة سيتم ربطها بالقاهرة عن طريق القطار الكهربائي الذي سيخدم المدن الجديدة بشرق القاهرة، وهو ما علّق عليه شوكت بأن “المخطط المعلن لهذا القطار هو أنه سيبدأ من شرق القاهرة مستخدما طريق مصر الاسماعيلية مرورا بمدينتي بدر والشروق ثم العاشر من رمضان وصولا لبلبيس، وبالتالي يحتاج إلى تعديل ليصبح قادرا على ربط العاصمة الإدارية، بما يحتاجه ذلك من إعادة تقييم لمشروع القطار وكثافات الركاب الذين سيتعاملون معه، فنحن هنا نتحدث عن إضافة عشرات الآلاف من الموظفين والمواطنين الذين سيترددون على تلك الوزارات، فضلا عن أن مشروع القطار مُعد أصلا للتعامل مع كثافة الركاب العاملين في العاشر من رمضان وبدر من وإلى القاهرة وبلبيس”.

الجدوى الاقتصادية من العاصمة الإدارية:

وفقا لتصريحات رئيس الوزراء، فإن تكلفة المشروع تبلغ ٢٥٠ مليار جنيه، وهو ما يعترض عليه شوكت ويراه إنفاقا غير ضروري في الوقت الحالي، “لا ينبغي لنا التفكير في أي مشروعات ذات تكلفة عالية الآن وتحتاج سنوات لإتمامها بما يرهق الموازنة الحالية التي تعكس أزمة اقتصادية أصلا، وهذا لا يعني بالطبع ألا نواجه المشكلات الحالية”.

ويضيف شوكت أنه حتى بمراجعة موازنة العام المالي الجديد لا يوجد أي ذكر لمخصصات مالية لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ولا يعلم أحد كيف سيتم توفير المبلغ المطلوب لهذا المشروع.

وجهة نظر شوكت يتفق معها كريم إبراهيم، المدير التنفيذي لشركة «تكوين لتنمية المجتمعات المتكاملة»، المتخصصة في دراسات ومشاريع التطوير العمراني، يقول إبراهيم: “ألمانيا، على سبيل المثال، قررت التوقف عن إنشاء طرق جديدة حتى لا ترهق الموازنة العامة لديها، ونحن نتكلم عن الدولة ذات الاقتصاد الأقوى في أوروبا”.

يضيف إبراهيم: “علينا أن نركز نفقاتنا على إصلاح ما هو قائم بالفعل، هذا ما يمكننا فعله الآن ويمكنه أن يؤثر بشكل واضح وسريع”.

بخلاف تكلفة إنشاء مباني وطُرق وبنية تحتية وخدمات جديدة بالكامل، يطرح شوكت زاوية أخرى في قضية التكلفة المادية، وهى “التكلفة المهدرة” في المباني الحكومية القديمة،  “سيتم ترك مباني تم إنفاق مليارات على مدار سنوات لتجهيزها، لنعيد الكرّة مرة أخرى في مكان آخر. لا أحد يعلم مصير مباني الوزارات تلك، هناك مقترحات بأن يتم تحويلها إلى مساحات عامة وحدائق، لكن خسارة هذه المباني كأصول مملوكة للدولة واستثمار على مدار سنوات هي تكلفة باهظة جدا”.

هل تحل العاصمة الإدارية مشاكل القاهرة؟

“حل مشاكل القاهرة بمواجهتها وليس بالهروب منها إلى مكان آخر سيخلق مشاكل جديدة”، هكذا يرى شوكت علاقة العاصمة الإدارية بمشكلات القاهرة التي يسكنها نحو ١٨ مليون مواطن.

يتفق إبراهيم مع شوكت، إذ يرى أن إحدى المشكلات الأساسية التي تعاني القاهرة بسببها هي المركزية الشديدة، “حل هذه المشكلة بالتوجه بجدية نحو اللامركزية، وليس بنقل المركز إلى مكان آخر لتنتقل إليه الأزمات نفسها”.

ويضيف إبراهيم نقطة أخرى: “ماذا لو تم إنفاق الـ٢٥٠ مليار دولار المخصصة للعاصمة الإدارية لحل أزمات القاهرة؟ ألن يكون ذلك أفضل!”

ويشير إبراهيم إلى مكسيكو سيتي، عاصمة المكسيك، التي يرى أنها حققت تطورا ملحوظا في مواجهة مشكلاتها خلال ١٠ سنوات، رغم أنها مدينة مليونية مثل القاهرة.

كما يطرح شوكت عدة نقاط بالإضافة لدعم اللامركزية “ديمقراطية الإدارة المحلية نقطة مفصلية في تطوير المدن”، مشيرا إلى أن التدهور لا يطال القاهرة فقط وإنما كذلك كافة المدن، ويرجع ذلك إلى سوء الإدارة المحلية، وكونها غير منتخبة وبلا صلاحيات فعلية.

“لو أصبح المواطنون هم المسؤولون عن تطوير مدنهم عن طريق انتخاب المحافظ ورؤساء الأحياء وليس فقط المجلس المحلي محدود الصلاحية، ستتغير حالة المدن بالطبع”، يقول شوكت قبل أن يضيف: “يمكننا رؤية التدهور الحادث مثلا على مدار السنوات الثلاث الماضية، فرغم أن المجالس المحلية ذات صلاحيات محدودة إلا أن حل المجالس المحلية بعد الثورة مع تأجيل الانتخابات لأجل غير مسمى ساهم في تدهور ملحوظ في حالة الإدارات المحلية”.

يستكمل شوكت: “في مدينة متضخّمة بحجم القاهرة، نفكر دائما في حلول من نوعية بناء مدن جديدة لحل أزمات السكن والكثافة السكانية وازدحام المرور، ولا نفكر في توفير وسائل نقل عامة جيدة، فباستثناء المترو الذي يلتهم ٤ مليارات جنيه من موازنة النقل، بينما يخصص ١٠ مليارات أخرى لباقي مشاريع النقل العام، تفتقر القاهرة وعموم الجمهورية لمشاريع نقل عام، ويعتمد معظم السكان على القطاع الخاص مثل الميكروباصات والأتوبيسات الخاصة داخل المحافظات وخارجها، حتى المدن الجديدة فهي تفتقر لمواصلات عامة”.

ويقول إبراهيم في الأمر نفسه: “توجهت الدولة لبناء المدن الجديدة، منذ منتصف السبعينيات، بصفتها حلا لأزمة التكدس السكاني، وحتى الآن لم تحقق هذه المدن المستهدف منها”. وفقا لإحصاء سنة ٢٠٠٦ بلغ تعداد سكان المدن الجديدة نحو ٨٠٠ ألف مواطن، بينما المستهدف منها الوصول إلى ٨ ملايين شخص.

وهو ما يطرح لدى شوكت أسئلة وشكوك تجاه التقديرات التي أعلنها المسؤولون الحكوميون تجاه العاصمة الإدارية وقدرتها على حل أزمات ومشاكل القاهرة، مضيفا أن “تقديرات الدولة لمعدل نمو المدن الجديدة وقت إنشائها كانت من ٢٥٪ إلى ٣٠٪ سنويا، وهو معدل نمو سكاني لم يتحقق فى أي مكان في العالم”.

ماذا سيحقق مشروع العاصمة الإدارية؟

يرى إبراهيم أن مشروع العاصمة الإدارية لديه بعد أمني، مرتبط بمحاولة إخراج المنشآت الحكومية الهامة خارج الكتلة السكنية، كي تبتعد عن مناطق المظاهرات والاحتجاجات.

وهو ما يتفق معه شوكت، الذي يربط بين موقع العاصمة الإدارية ومشروع تنمية محور قناة السويس، “يبدو أن الحكومة ترى أهمية لوجود العاصمة الإدارية بالقرب من القناة في محاولة لدعم المشروع والتنمية عموما في منطقة القناة”، وهو الاختيار الذي يعتقد شوكت أنه غير صائب، حيث يرى أنه لو كان ينبغي نقل العاصمة لمكان آخر بغرض الدعم وجذب الاستثمارات ودفع التنمية، فمن الأفضل أن يكون النقل للصعيد، باعتباره إقليما قائما بالفعل بسكانه ويحتاج للدعم.

وأشار شوكت لعدد من تجارب نقل العواصم، مثل نقل العاصمة التركية من اسطنبول إلى أنقرة، والعاصمة البرازيلية من ريو دي جنيرو إلى برازيليا.

وتعد تجربة “برازيليا” كعاصمة جديدة من أبرز هذه التجارب، التي تم تدشينها سنة ١٩٦٠، وأختير موقعها في منتصف الجزء الجنوبي من البرازيل، لتكون قريبة من مناطق الوسط والغرب، بدلا من تركز معظم المدن الكبرى على الساحل الشرقي للبلاد.

وخلال ٥٠ عاما بلغ تعداد برازيليا مليونان و٧٨٩ ألف مواطن، لتصبح المدينة الرابعة من حيث الكثافة السكانية في البرازيل. لكنها تظل مدينة “عمل” بشكل أساسي، إذ يسافر معظم قاطنيها خلال الإجازات الأسبوعية عائدين إلى مدنهم الأصلية، مما يمثل عبء إضافي على المواطنين وسياسات الإسكان، ورغم ذلك فهي تعد، وفقا لشوكت، أنجح نماذج نقل العواصم في العالم، إذ ساعدت على نقل جزء من الكثافة السكانية إلى موقع آخر داخل الدولة، فضلا عن جذب الاستثمارات إلى مساحة مهملة.

اعلان