عن علاء

كنا نذهب إلى البحر، إلى الساحل، كل صيف، وفي سنة من السنين كنا الأطفال فقط، ربما كنا في معسكر للكمبيوتر، لا أذكر. كان الصيف الذي رأى ظهور فيلم “إنديبندنس ديي”. ١٩٩٦. كنت جالسا على الأرض أشاهد مقدمة الفيلم حين انفجر باب الحديقة الزجاجي. تشظى الزجاج وتناثر في كل مكان في الغرفة وعلى الأرض. وفي وسط الشظايا كان علاء يضحك، والدماء تسيل من ساقه. كان منهمكا في لعبة لدرجة أنه دخل بكل حماس في الباب الزجاجي. منال، وكانت جديدة على مجموعتنا، اقتطعت لنفسها مساحة تطبيبه ورعايته. كان عمرها وعمره أربعة عشر سنة، ولم يفترقا منذ تلك اللحظة.

استعارات متطايرة.

***

٣١ أكتوبر ٢٠١١ وخمسة عشر عاما قد مرت، وحشود بالآلاف تهتف باسم علاء. نمشي بالمسيرة في شوارع وسط البلد، بعض الشباب معه بخاخات الألوان فتظهر صور وجرافيتي لوجه علاء على الجدران حيثما نمر. نرفع قبضاتنا وأصواتنا وهتافاتنا تدوي بالغضب المتصاعد منذ خيانة تحية اللواء الفنجري العسكرية.

دُم دُم دُم دُم

حرية!

دُم دُم دُم دُم

حرية!

نملأ الطريق أمام سجن باب الخلق. نشير بإشارات مهينة للمخبرين المدخنين ذوي الشوارب الذين يراقبوننا من على الأسطح. نملأ الليل بضجيج نوقن أنه سيصل إلى علاء في زنزانته المنزوية وراء السور؛ الزنزانة الضيقة الباردة المحشورين فيها هو وثمانية مسجونين. مظلمة كالقار. وحين تشرق الشمس بعد طول انتظار تلقي بضوئها على تاريخ إعدام نزيل سابق.

“ويتملكنا كلنا البكاء”

أصواتنا لم تصله.

وبعد شهر ها نحن نجلس أمام ليمان طرة. عشرات الأسر تنتظر بجوار البوابات. عربة يجرها حصان تطوف بأسوار السجن وعليها جوقة من الأطفال يهتفون “الجيش والشعب إيد واحدة”. مُنى تجلس على الرصيف تكتب رسالة لأخيها. منال حامل في شهرها الأخير. لا وزن لابن خالة يحمل إسما غريبا؛ حرس السجن لا يسمح لي بالدخول.

***

قال: “الحجارة”.

“كانت الحجارة أهم أداة (في الثمانية عشر يوما)”.

لم يكن هذا ما توقع المشاركون في مؤتمر رايتس كُنتِك في سان فرانسيسكو أن يسمعوه حين دعوا مدونا مصريا ليقدم الكلمة الرئيسية. بعد ثلاثة أيام سيعود إلى القاهرة ليسلم نفسه للنيابة العسكرية. الحجارة والكلمات. أدوات الصراع الوحيدة لدينا.

أول مرة أرى علاء في التحرير كان يتجه نحو جبهة المتحف بملأ ذراعين من الحجارة. معركة الجمل. مثل كثير منا لم يكن يتقن الرمي، ومثل كثير منا كان على الجبهة، يقذف بكل ما يملك عبر الحواجز، إلى المجهول.

وبعد تسعة أيام، في تلك الليلة الساذجة الفَرِحة، يخبرني أنه ومنال سيعودان إلى القاهرة، سيبدآن في بناء أسرة، وسيكون إسم مولودهما الأول اسم أحد الشهداء: إما خالد، أو سالي.

كانا قد انتقلا إلى جنوب إفريقيا ليركزا على عملهما كمطوري برمجيات. عاشا هناك سنتين قبل الثورة. كان عندهما قط، وسيارة، وهواء نقي؛ حياة عليهما الآن أن يحزموها ويرحلوا من أجل مصر التي تنادي؛ البلد الجديد الذي ينادي طالبا الشباب وأفكارهم ومثالياتهم.

***

أطلقت الشرطة الرصاص فقتلت شابا يقف عند باب مسرح في ٢٨ يونيو ٢٠١١. واشتعل شارع محمد محمود. تلك الليلة شهدت أول معركة مهمة ضد الشرطة بعد هزيمتهم في يناير. تتحدد خطوط معركة – ايقاعات وإجراءات ستصبح شديدة الألفة. لا زال لكلمة “سلمية” مكان في قاموس الثورة وأحيانا يتم ترتيب هدنة. مجموعات من الرجال تضع الحجارة جانبا وتتشابك أذرعها، خطوط بعرض الطريق تمنعك من المرور، تعيدك إلى التحرير. خطوط لتلجيم الجموح، لتهدئة النهم الذي لا يشبع. خطوط تحد من الثورة، تمنعها عن الوصول لقوتها القصوى وكل ما يمكن أن تأتي به. خطوط رسمناها جميعا. النقاش الصعب الذي يترك فيتوه، المحادثة الهاتفية التي لا يستجاب لها، الصورة نُعَلِّم عليها بـ “أعجبني” بدل أن نعيشها.

ليلتها، حاول علاء أن يقتحم تلك الخطوط، أن يمنعها من أن تتكون. رفض أن “يحوشه” حافظي السلام. حاول أن يفتح طريقا أمام الشباب الغاضب يتدافع ويجادل مع الرجال أصحاب الأذرع المتشابكة. كان يعلم أن لحظات قوتنا المستحيلة الاحتواء لحظات غير منتظمة ومفاجئة، وأن علينا أن نستغل إمكانياتها إلى أبعد مدى. هل تظل الثورة ثورة حين تبدأ في فرض نوع من الوصاية الشرطية على نفسها؟ وحين تتحدث الثورة عن القانون، هل تعي طبيعتها هي نفسها؟ في تلك المرة، مثل كل مرة، كسرت الهدنة قنبلة من قنابل الغاز.

بعد خمسة شهور أخرى ستعود تلك الخطوط للظهور في شارع محمد محمود، يُكَوِّنها، في هذه المرة، عناصر من القوات المسلحة والإخوان المسلمين. أتى الجيش بالدبابات وبكتل الأسمنت الضخمة. وأتى الإخوان بمجموعات من الرجال، عشرون رجلا في كل مجموعة، يكونون خطا بعرض الشارع، يحملون بعرض الشارع قضيبا معدنيا طويلا يقطعون به الطريق ويدفعون به الجماهير الغاضبة لتعود، تعود إلى التحرير، وتبتعد عن التحدي الحقيقي وهو أمامهم. يهتفون”الثورة في الميدان”. ستبدأ انتخابات البرلمان في اليوم التالي وعلى المعركة الأكبر منذ الثمانية عشر يوما أن تنتهي بشكل ما.

إما أن تكسب أو أن تخسر.

***

نحن الآن في ٩ أكتوبر ٢٠١١، وكورنيش ماسبيرو، في هذه الأمسية، تضيؤه ألهبة النيران تصعد من السيارات، وأزيز التوتر يملأ الهواء.

“حتى الآن ثلاثة شهداء وأكثر من عشرين مصاب، وكلهم من جنود الجيش. وبأيدي من؟ ليس بأيدي الإسرائيليين أو بأيدي عدو، ولكن بأيدي فئة

من أبناء الوطن …اتقوا الله في مصر… استشهد ثلاثة من جنود الجيش وأصيب ثلاثون آخرون جراء إطلاق المتظاهرين الأقباط المحتشدين أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون النار عليهم … مئات المتظاهرين الأقباط … قطعوا طريق الكورنيش، يقومون برشق جنود الجيش …”

تلفزيون الدولة يطالب الشعب بحماية الجيش من الأقباط.

تسعة وعشرون اسما جديدا تضاف لقائمة الشهداء. تسعة وعشرون جثمانا تسجى في المستشفى القبطي حيث، ولمدة أربعين ساعة، يناضل أصدقاء مينا. يناضلون من أجل ميراث الشهداء ومن أجل مكانهم في التاريخ. يناضلون ضد القاضي الملتوي والقس التقليدي والدفنة السريعة. يناضلون مع الجثامين ليحولوا بينها وبين العفن. يناضلون من أجل الكرامة في الموت.

“يومان برفقة موت رحيم وخجل لا يرحم، لماذا يا ربى أغلب شهدائنا فقراء؟ كيف ميزت المدرعة والبندقية؟ الدم واحد والقبر واحد ومع ذلك تخذلنا الشهادة مرة تلو الأخرى.

مصر معجبانية وبتختار أحلانا، ومينا دانيال زين ما اختارت. لولاه ما انتصرنا فى المشرحة.”

ناضلوا وانتصروا فنالوا التشريح ونالوا تقرير الطب الشرعي؛ الكلمات التي تتيح لهم مواصلة النضال. هذه هي الكلمات، الفعل، الموقف الذي لا يمكن السماح به. يصاغ اتهام، ويصدر أمر ضبط وإحضار بتهمة الهجوم على المدرعات وإتلافها، بتهمة سرقة حمولة المدرعة من الأسلحة ثم إلقاء الأسلحة في النيل. بتهمة القتل.

عاد علاء من أمريكا ليواجه الاتهامات. ليواجه العبث. لن يعترف بالمحكمة العسكرية ولا بالقاضي العسكري. لن يعترف إلا بقاضيه الطبيعي المدني. دخل “س ٢٨” ليوضح هذا ولم يخرج.

وقامت الدنيا ولم تقعد. كان الصخب في العالم عظيما، وفرقع الإعلام، وضجت الشوارع.

بعدها بخمسة وخمسين يوما: ٢٥ ديسمبر، عيد الميلاد. أنا في لندن، أحزم ما تبقى من حياتي القديمة، أضع كتب في كراتين سأرسلها إلى القاهرة، وتأتي الأخبار: أطلقوا سراح علاء.

***

بعد سنتين بالضبط أقف أقلب في هذه الكتب، أفكر – من جديد – في علاء. أنتقي بعض المجلدات: «تاريخ الولايات المتحدة من منظور الشعب»، «المقاومة الشعبية في فلسطين»، «الأشعار الكاملة لجون ملتون». كتب أحب أن تكون إلى جانبي في السجن. نحن في ٢٥ ديسمبر ٢٠١٣ واليوم السابع والعشرين من حبسة علاء الحالية – الحبسة الثالثة. يقولون أنهم سيسمحون لي بالزيارة اليوم، ولا يفعلون. أنتظر في الخارج، إلى جوار نهر القمامة الذي يحيط بالسجن. شئ يحط على كتفي. عصفور يجلس على فرع فوقي وللحظة أجدني في فلسطين، في حاجز قلنديا، والسماء تقسمها الأسلاك الشائكة واندفاعات الطيور تمارس حريتها القدسية المُجِّنة. تمر اللحظة، وأعود إلى تدخين السجائر التي تنجح فقط في المزيد من تبويظ الحياة.

يخرج الآخرون بعد ساعة. يعبرون الطريق نحوي. الكتب ظلت في السجن. لا أعرف إن كانت وصلته. الكلمات والحجارة والأجساد، في مواجهة المدافع والدبابات وأسوار السجون. لن ننسى سنة ٢٠١١، حين بدا، للحظة، وكأن الكلمات هي الأقوى. هل سنغفر لها يوما؟

٢٠١١، تلك السنة الأقوى، كان ختامها علاء يقف خارج البوابات، لم يخلع بعد ملابس السجن، يخاطب الكاميرات:

“لسه مابنحاكمش اللي قتل الناس … هل القاضي يستطيع إنه يجيب اللواء حمدي بادين كمتهم أول في هذه القضية واللا لأ؟ … والثورة دي هتنجح لما يبقى اللواء حمدي بادين في القفص بيلعب في مناخيره، ولما تبقى أنبوبة البوتاجاز بخمسة جنيه.”

خالد، رمز الأمل، على ذراع أبيه. قبل سبعة عشر يوما كان علاء قد حضنه للمرة الأولى.

“نصف ساعة لم أفعل فيها سوى النظر إليه، ما بالكم بنصف ساعة أغَيَّر له فيها، أو نصف ساعة أطعمه فيها، أو نصف ساعة ألاعبه فيها؟ ماذا عن نصف ساعة يحكى لى فيها عن مدرسته؟ نصف ساعة نتناقش فيها عن أحلامه؟ نصف ساعة نختلف فيها على نزوله المظاهرة؟ نصف ساعة يخطب فيها بحماسة عن الثورة وكيف ستحررنا كلنا؟ عن العيش والحرية والكرامة والعدالة؟ نصف ساعة أفتخر فيها أن ابنى راجل شجاع شايل مسئولية بلد قبل ما يصل لسن يشيل فيه مسئولية نفسه؟

ما مقدار السعادة فى نصف ساعة كهذه؟ كآخر نصف ساعة قضاها أبو الشهيد مع ابنه؟”

كم من أنصاف الساعات ستسرق منك؟ بالأمس حلمت أن خالد سعيد، أنه عاد إلى الضحك والكلام. لكن بقدر ما تفيض يقظتي بالحزن فالعنف يمزق أحلامي، وسريعا ما أعود إلى المشاهد المعتادة، إلى الذعر، والبحث عن أماكن الاختباء، والموت المهيمن على الليل. لم يمر على خروجك من السجن خمسة دقائق وتنادى بالقبض على جنرال حاكم؟ أخاف الأسوأ، يا علاء، أخاف الأسوأ. تلك الموجة الجبارة التي دفعتنا جميعا إلى الأمام منذ ثلاثة سنوات قد انحسرت وتركت طليعتنا للغرق.

***

“السيناريو الأسوأ” صار لأول مرة محل حديث في تلك الليالي الباردة أمام قصر الاتحادية في ديسمبر ٢٠١٢: الانقلاب على الرئيس “الإسلامي” الجديد، التمرد المسلح والاستجابة العسكرية والعودة المطلقة للأمن. كان المسرح معدا. لكني لم أتوقع أبدا هذا الانحدار السريع، هذا المنقلب الوحشي نحو فاشية مبتذلة. لم أتوقع كم سيكون عاديا أن ينادي نجوم الغناء بإعدام الإخوان بدون محاكمات، أن تطقطق الخطوط الساخنة بمكالمات وشاية ثأرية.

الأثير ينبض بشراهة دموية لا يمكن فهمها.

أخذوا علاء من بيته مساء ٢٨ نوفمبر. أفراد أمن بالملابس المدنية داهموا البيت. وحين طلبت منال أن ترى إذن النيابة بدأ الضرب. آخر ما رآه علاء وهم يجُرّونه من بيته كان خمسة رجال يضربون زوجته. خالد ظل نائما في الغرفة المجاورة. أما أبوه فقضى الليلة على أرض زنزانة، عيناه معصوبتان، ويداه في الحديد وراء ظهره.

 

تهمته الرئيسية: تنظيم مظاهرة. مظاهرة صغيرة، سلمية، على أبواب مجلس الشورى، هاجمتها الشرطة بخراطيم المياة وقنابل الغاز والمخبرين والضباط الملثمين الراكضين. أخذوا خمسين شخصا في خمسة دقائق. وبعد أن تركوا النساء والمحامين والصحفيين والشباب ذوي الشهرة، تبقى ٢٤ رجلا. سيحاكمون مع علاء – وتهمتهم المشاركة في مظاهرة. لم يتحدد الموعد بعد، لكن القضية تمت إحالتها إلى المحكمة الجنائية – محكمة بيدها أن تصدر أحكاما أطول وأقسى من تلك التي يواجهها ضباط الشرطة المتهمون بقتل ٣٧ سجينا بالغاز. أما الشابات اللائي دعون فعلا للمظاهرة فقد رفضت السلطات محاولاتهن لتسليم أنفسهن.

أين العاصفة؟ أين الغضب؟

عام ٢٠١١ استغلت أطراف عديدة موقف علاء لمصالحها. الإخوان أرسلوا محامين، حمدين أظهر انفعالا وهو يحادث يسري فودة، الليبراليون أعربوا عن استيائهم. في لعبة الانتخابات كانت هناك نقاط يمكن تسجيلها ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومداهنات يمكن ممارستها على الثورة البعد “مجيدة” التي أعطت السياسيين فرصتهم. كل هذا انتهى الآن. الدولة تستمر صاعدة والمعارضة تستبعد على انها إما “إسلامية” أو لا قيمة لها.

لم يكن حتمي أن يضعفنا كل هذا. منذ متى كنا بحاجة إلى الإخوان أو حمدين أو إلى إعلام متعاطف لكي نستمر في محاولات التغيير؟ كنا نعرف دائما ان هؤلاء ليسو أصدقاءنا بحق. فلماذا الآن، تقف المعارضة – في مصر التي كادت أن تكون جديدة – وقد أحبطتها وأنهكتها وأربكتها فظائع ٢٠١٣ المستمرة، فأسكتت نفسها ووقفت كالثور في الحلبة، ظهره مثخن بالخناجر، ينتظر نهاية مباراة أدرك الآن فقط أنها كانت محكومة مزورة حتى الموت.

يختبروننا، ويرون أننا ضعفاء. حين احتجزوا علاء فلم يستثيروا مثل غضبة٢٠١١، تجرأوا فاحتجزوا أحمد ماهر وأحمد دومة ومحمد عادل، وحكموا بالسجن ثلاثة سنوات على كل منهم بتهمة التظاهر. أصدروا أوامر ضبط وإحضار ضد ماهينور المصري وحسن مصطفى في الإسكندرية. شريف فرج، معيد فنون جميلة وناشط في الحفاظ على التراث المعماري لمدينته يجلس في محبسه، متهم

بالقتل، وبحرق كنيسة والسطو على بنك – كل هذا في الليلة السابقة على حفل خطبته. شباب يتحدثون في السياسة على قهوة فيقبض عليهم. صحفيون يقتادون من غرفهم في الفنادق ويوصمون بالإرهابيين. المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية – يداهمونه، ويحتجزون ويضربون العاملين فيه.

علاء، لهذه الدولة، يمثل رمزا. رمزٌ لكل ما لا يفهمونه عن شباب هذا البلد العصي المشاغب المضنَى القابل للاشتعال في لحظة. وطالما استطاعوا أن يحتفظوا به في السجن فلن يأمن أحد. سيأتي الأسوأ. قد حل الشتاء.

 
اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون