وعد جديد علينا الوفاء به

النور في زينهم مختلف. الشارع الضيق، والأشجار الظليلة، والانحدار الرقيق لهذه التلة النادرة، في القاهرة قليلة التلال، يجتمعون فيرققون الإضاءة الباهرة المباشرة التي عادة ما تظهر لك المدينة في ألوان أحادية. النور هنا يأتي من زاوية، يأتي مكسوراً. ربما هي التلة. أو ربما هو الصباح المبكر، فأنا لا أذهب إلى زينهم إلا في الصباح المبكر، لزيارة المشرحة.

اليوم كنا هنا لباسم محسن. أطلقوا عليه الرصاص يوم الجمعة في تظاهرة في السويس. نقل سريعاً إلى القاهرة، إلى القصر العيني الفرنساوي حيث دخل في عملية جراحية. قالوا أن درجة النشاط في المخ متدنية إلى مستوى خطير، ولكن لم يسع الأصدقاء سوى التمسك بالأمل.

باسم مات يوم الأحد.

وفي العاشرة من صباح اليوم التالي بدأ توافد الناس إلى المشرحة التي صارت منذ زمن موقعاً للمشاجرات بين الأهالي والأصدقاء الغاضبين في الخارج من ناحية، والأطباء المتواطئين في الداخل من الناحية الأخرى. سبب الوفاة. إن كسبت المعركة غادرت المشرحة ومعك جثمان ابنك وورقة تمكنك من تكملة كفاحه. وهذا يستغرق وقتا. يستغرق ساعات طويلة. الدولة تتغذى على وقتنا المبدد، تسمن عليه. يظهر شباب الجرافيتي، كما يظهرون دائما، ومعهم رشاشات الألوان. اليوم كان معهم أدوات أكثر: أوراق، وقطع من القماش، وأدوات قاطعة، فقد علمتهم خبرة السنوات الماضية أن الوقت سيطول وسيَسمح لهم بالعمل على رسومات وقِطَع مُرَكَّبة. يقضون الساعات في الرسم وفي تفريغ “الستينسيل”، في تصميم وتنفيذ الوسام الأهم الذي تمنحه هذه الثورة لمحبيها: يصنعون علم الشهادة لباسم.

“باسم محسن. شهيد السويس”

وسام بحق لابن مدينة معروفة بصمود مقاتليها.

بعد أن جهزوا الستينسل بدأوا في رش صورته على الجدار. يجلس شاب على أكتاف شاب آخر بينما ترش فتاتان الجزء الأسفل من الصورة. يتعثر الشاب فيسرع رجل يمسك به، يساعده على الثبات. الرجل من أسرة تجلس صابرة إلى جوارنا على الرصيف، ينتظرون من لهم ليدفنوه. من بعدهم أرى هيكل صدئ لسيارة مهجورة، يفيض الآن بالقمامة. الأسرة لا تتكلم، وأدرك أنهم يتبادلون الإشارات. السيدة الأكبر سنا ترسل محادثة صامتة عبر الكاميرا في تليفونها المحمول. المفردات الصامتة تثب وترتد بين أفراد الأسرة على جانبي الطريق، تمر من خلال أجسادنا وأصواتنا.

محادثتهم تتم على محور مختلف عن محور عالمنا الصاخب. جمالها يغمرنا، وللحظة أشعر بها توفر لي الحماية، تقيني من مهانة هذه المشرحة القابعة أمامي. وحين يتعثر شاب الجرافيتي من جديد يجد الأب، المنتبه له دائما، إلى جانبه، يسنده. يشير إلى مساحة خالية على الجدار. رش صورة كمان. أنا معك. لكن الرشاش قد فرغ.

فوقنا، المرّة تلو المرّة، اسم محمد الجندي. الجدران تطالب بالعدالة وتهدد بالفوضى وتعيد ذكر اسمه ويوم استشهاده وتعيده ثم تعيده. منذ أحد عشر شهرا عذبه الأمن إلى النهاية، إلى نفسه الأخير. حين جاؤوا بجثمانه هنا تبعه المئات. هتف الشباب وصرخوا طالبين العدالة. البعض وقع مغشياً عليه. واستقبلت أعالي الجدران اسما جديدا. المرة وراء المرة: “محمد الجندي”. حين وقفنا هنا، في ذلك الصباح في فبراير، أذكر صوتا من الأرض ينادي على من يكتب: ” – وعُمَر. ماتنساش عُمَر. من فضلك ..” وأومأ الشاب المعلق فوقنا جميعا وبدأ رسم حرف الـ ع.

هل كان ذلك الصوت يقصد عُمَر مرسي؟ عُمَر مرسي الذي أطلقت عليه الشرطة النار ذلك اليوم في فبراير؟ عُمَر مرسي الذي قالوا عنه أنه مات اكلينيكيا، أن مخه مات؟ هل يعرف صاحب ذلك الصوت أن عُمَر مرسي لم يمت؟ عُمَر مرسي صحي. وهو في تحسن. ظهر في المستشفى أمس، وعنده أمل أن باسم أيضا سوف يصحو مثله.

ليس عندي ما أحكيه لكم عن باسم غير ما حُكِي. التقينا مرة واحدة فقط. لكننا تبادلنا أرقام التليفون واتصل هو بي مرتين. لم يكن عنده سبب محدد للاتصال، كان يسأل فقط، يسأل عما يحدث في القاهرة. أفهم معنى هذه المكالمات الآن، الآن وقد صار ردها مستحيلا.

يمتد اليوم. في زينهم يصممون اليوم ليمتد. اليوم الذي نحتاج فيه إلى السرعة أكثر من أي يوم لا يكون رحيما أبدا في هذه المشرحة. أخت باسم في حالة بكاء مستمر. أصدقاؤه لا يتركونها لحظة. لعبة تُلعب بين مكتب النائب، وقسم بوليس السيدة زينب، ومستشفى القصر العيني الفرنساوي، وخدمة الإسعاف؛ لعبة ناتجها أن باسم يظل في المستشفى. تمر ثمانية ساعات قبل أن يصل جسده إلى المشرحة. ثمانية ساعات في البرد وفي المهانة. الناس يأتون، يتحركون، يدخنون، يبكون. شئ واحد يظل ثابتا: وراء أخت باسم هناك شاب – ولد في الحقيقة – يقف حارسا، يربت على كتفها كأخ صغير، لكني أعرف أنه ليس قريبها.

رأيته من قبل. احتجزته الشرطة، وعذبته. وفي تظاهرة ضد التعذيب صرخت أمه بجرائم الشرطة إلى الحشد المستمع، رفعت قميصه لتعرض علينا آثار التعذيب. لم يقاوم، ولم يتحرك إلى أن اصطحبته وابتعدت. كان ينظر فوق رؤوس الجمع الباكي، عيناه مركزتان على عالم مختلف. ذلك المساء، كان يبدو وكأنه ابتعد عن إمكانية العودة. أما اليوم، وهو يربت على كتف أخت باسم ويراقب الناس حولها، كان هناك شئ مختلف. شئ في مهمته الحارسة يمده بنوع من الراحة.

“خللوا بالكم!” أخت باسم تقوم عن كرسيها لحظة، تشير إلى شاب في سويتر أحمر. “خللوا بالكم من روحكم يا شباب!” تهتف مترجية الجميع.

أسر الشهداء تحمل عبئا مضاعفاً: ثقل حمل جثامين أبنائها إلى القبور، وثقل غضبة أصدقائهم. ثقل الفقدان لا يُقَدَّر، لكن البعض يجد ثقل المسؤولية أكبر. العشرات من الشبان والشابات، الذين يبكون اليوم دموعا حارقة، سيحترمون اليوم ولأيام كثيرة قادمة رغبات الأسرة، سيتبعون تعليماتهم. تقرر اليوم أن لا تقام جنازة في القاهرة. لن نعطي الدولة حجة جديدة لسفك الدماء. ولكن في الغد، حين يصبح العلم رمزاً خارج سيطرة الأسرة، سيزيد عليها ثقل المسؤولية حين يستشهد شاب يحمله.

خرج إلينا نعش باسم. جثمانه الملفوف في علم مصر وضعوه بكل رقة وعناية في ظهر السيارة. امتلأت ثلاثة حافلات بأصدقائه. ابتعدوا عن زينهم والمشرحة نحو السويس، تاركين جدرانا يباركها إسم جديد سنتذكره، ووعد جديد علينا الوفاء به.

 

ترجمت هذه المقالة من اللغة الإنجليزية د. أهداف سويف.

اعلان
 
 
عمر روبرت هاميلتون